Atwasat

هم.. ونحن

امحمد شعيب الإثنين 22 ديسمبر 2025, 02:46 مساء
امحمد شعيب

عندما توقف الزمن الذى تحرك فيه الليبيون، رغبة في التجاوز، تراجعت تلك الأيام البهية والواعدة، حيث الحرية ممزوجة بالأمل، إبداع وشجاعة وفيض من الكرامة الإنسانية والوطنية، كل ذلك كان سيد المشهد، بعدها صار الجو ملبدا بالغيوم، وصل الجنون مداه، مجتمع كان يصخب بشعارات مليئة بالأحلام، كيف صار يسير نحو هلاكه وجحيمه، كيان يهتز وقد يتحول إلى حلم جديد تنشده الأجيال القادمة.

الأغلبية الصامتة قهرها الخوف والحزن على حلم ينسلّ من قبضتها، فتراجعت إلى مربعها الأول، الزيف في القول والعمل صارا سيد المشهد، في هذه الأجواء استنشق الليبيون رائحة البارود في كل مكان، وضعت أصبع الشباب على الزناد بدل القلم، تراجعت المحبة والأخوة وفتحت مساحة واسعة للكراهية والعنف، في الخارج كان هناك من يراقب المشهد، في هذه الأجواء يصدر مجلس الأمن قرارا بتعيين بعثة دعم للبلاد، أثار هذا القرار أسئلة كبيرة ودهشة أكبر، ربما لم يلتفت لها البعض. فهو:

* قد وضع الليبيين في حالة استقبال وانتظار لما يأتي وانتزع منهم المبادرة.
* تضمن دعوة خفية للدول أن تؤسس وجودها في المشهد الليبي.

* زاد من حدة الاستقطاب في الداخل.
* زاد من حدة الصراع بين الدول.

* بعد صدوره، أخد الصراع بعدا جهويا بعد أن كان خجولا.
* زاد من عدد الدول المتدخلة في الصراع.

بدأ الحوار السياسي في سبتمبر 2014، وهنا أبادر للقول إنني لا أرغب في تقديم قراءة عميقة، التي قد تكون لاحقاً، وأكتفي هنا بملاحظتين؛ تتعلق الأولى بكيف كانت رؤية الأطراف الليبية للحوار، والملاحظة الثانية تتعلق بالحشد الدولي المتابع والمشارك، بطريقة أو بأخرى في الحوار، والحديث هنا عن عشر دول حضرت بسفرائها وأحياناً بمبعوثين رفيعي المستوى.

الحوار لم يكن من الممكن رفضه، نعم طريقه طويلة ولكنه قد يفضي إلى «فسحة أمل» ولو ضيقة في هذه الأجواء العنيفة؛ ففي كل الأوقات وفي كل المحن ثمة شيء يمكن فعله رغم قسوة الواقع وفجاجته، فقط لا تغادره أو تهرب منه إلى الأمام، عليك أن تنحت خطاباً لهذا الواقع وتتجول في تضاريسه، عندها تكتشف «الممكن». و«الممكن» ليس هزيمة، إنه درجة عالية في فهم الواقع خارج التفكير الرغبوي الذي ينشد المطلق بالأماني.

الحوار الذي هو «إدارة الخلاف والاختلاف» يتطلب الاستعداد لتقديم تنازلات تقود إلى التسويات، تأسيساً على أن لا أحد يملك الحقيقة المطلقة وإنما هي حقائق نسبية وبشرية، وأن العيش المشترك يقتضي قبولاً للآخر. في سياق هذه القيم يمكن رصد ثلاثة معوقات كبرى كانت حاضرة في الحوار وأظن أنها قائمة حتى اليوم، وهي:

أولا: الخطاب الأيديولوجى المحنط الذى يبعث وهما رغم الشطط الذى يبديه بعض من ممثليه، الأمر الذى غيب الوقفة النقدية والموضوعية للذات والفكر، كما أنه عمل علي تنميط الآخر.
ثانيا: الجهوية التي لم تتصالح مع الماضى والتي يمكن رصدها في العديد من جلسات الحوار الرسمية والجانبية.

ثالثا: التدخل الخارجي الكبير في المشهد الليبي، عشر دول كانت تراقب وتتابع جلسات الحوار وتساعد المبعوث الدولي، وتتدخل أحيانا عند الأطراف المحلية بالنصح أو بالتهديد المبطن، بعضها كان مشدودا لتاريحه الاستعماري.

بالطبع لا يمكن الحديث عن موقف خارجي واحد بل كان هناك تنوع يأخد أحيانا شكلا من التناغم في المواقف، وأحيانا تعكس توترا ناجما عن صراع المصالح على الجغرافية إن هذا الحضور كان يتسم بالواقعية والبراغماتية بعيداً عن المفاهيم الكبرى كالشرعية وحقوق الإنسان، رغم الخطاب المألوف عن القيم الديمقراطية، ولذلك تم التعامل مع الأطراف في الكثير من المواقف كـ«أمر واقع» منزوعاً منها أية صفة قانونية؛ وبطبيعة الحال عندما تتراجع القيم تحدث تراجعات وتحولات في المواقف تبعاً للمصالح.

•المواقف الحقيقية لهذه الأطراف الدولية لا تُطرح أمام الأطراف الليبية، وإنما كما أعلم، تُعرض بشكل حازم للمبعوثين الدوليين.
•ظهر في أكثر من مناسبة انحياز البعض منهم للطرف الداخلي الذي يعتبرونه حليفاً أو صديقاً لهم، ومعاداة من يعتبرونه تهديداً لمصالحهم.

•طيلة رحلة الحوار كانت الدعوة لتشكيل حكومة واحدة، مع التأكيد على عدم إقحام البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط في الصراع السياسي.

هنا لا أقدم تحليلاً أو دراسة لما تم، فالتاريخ ملك للجميع، إنما حاولت طرح الملامح التي رافقت الحوار الذي تم في حالة وأوضاع في غاية التشابك والتعقيد، بحضور دول كبرى إقليمية ودولية وفي أوضاع وطنية هشة على مستوى الفعل والنظر. اليوم، بعد ما يقرب من ثمانية أعوام، مازالت الأطراف الوطنية تتمترس عند مواقفها السابقة؛ ترفض قبول «الآخر القريب» وتتماهى مع «الآخر البعيد»، والدول المتدخلة تضخم وجودها المادي والسياسي، ويبدو أنها تراجعت عن المطلب الوطني الأول في وجود حكومة وطنية واحدة، الأمر الذي يؤكده الجمع بين ما تعتبره كيانات في حل الإشكاليات الاقتصادية والمالية والأمنية التي تواجه الوطن.

يذكرني ذلك بما سمعته من السيدة «موغيريني» سيدة الاتحاد الأوروبي، عندما أخبرتني في صيغة تحذيرية: «ديروا حكومة واحدة وإلا سنتعامل مع الموجود».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»