Atwasat

الاستقلال ورجب وعظيم العجب

أمين مازن الأحد 21 ديسمبر 2025, 02:44 مساء
أمين مازن

تحلَّ صبيحة الأربعاء القادم الذكرى الخامسة والسبعون لاستقلانا المجيد عندما أُعلِنَ في الرابع والعشرين من ديسمبر بالعام الحادي والخمسين من القرن الماضي، بعد أن أقرّته الأمم المتحدة قبل ذلك التاريخ بسنتين، تم خلالهما وضع الدستور بما حمله من شكل الحكم ونظامه، ومراقبة المجتمع الدولي خطواته التعديلية التنفيذية والمنتهية، باعتماد السيد إدريس السنوسي ملكا دستوريا يمارس سلطاته ببرلمان من غرفتين وحكومة منبثقة عنه، إلى جانب ولايات ثلاث، هي: برقة وطرابلس وفزان، ودعم مالي تسييري قدمته حكومتا بريطانيا وأمريكا لقاء بقاء قواتهما ببرقة وطرابلس؛ لأن ليبيا كما وُصِفت في حينها أفقر دولة في العالم، وما من سبيل لها كي توفر الضروري مما هي في حاجة إليه من المال سوى القبول بالتعاقد على الإيجار مع الدولتين المذكورتين.

إنه التوجه الذي أوجد أول ثغرة استطاع المتربصون التشكيك بواسطتها في الاستقلال الوليد وغير المرغوب، بكل الأسف، من الأقارب قبل الأباعد ممن تقدمهم السياسي المصري الشهير عبد الرحمن عزام، الذي ارتبط بليبيا منذ سنوات الكفاح، والقريب من بعض الأطراف بالمصاهرة، واصطدم مع آخرين، ولم يُخفِ اصطدامه، ولا سيما السيد إدريس الذي عانى الكثير من محاولة تشويه السمعة، كما جاء في كتاب عمر المختار، الذي طُبِعَ في الثلاثينيات إثر استشهاد المختار، وحمل مآسي السنوسيين بالأسماء كصفي الدين والرضاء وهلال وقبلهم جميعا إدريس، الذي لم يتردد في اللجوء إلى القضاء المصري، ولم يعدم من يقف إلى جانبه بالرد على تلك الحملات غير المبرأة من الغرضية، التي أثرت بعض الشيء في فرحة الاستقلال، وقللت من مبررات الضرورة إلى الاستعانة بحلفاء الأمس، ولا سيما عند قدرتها على استدراج بعض الشعراء الشعبيين الذين كادوا أن يجردوا الاستقلال من حقيقته.

لولا أن سخّرَت المقادير الرأسمالية الأوروبية للشروع في التنقيب على البترول مؤكدة وجوده، فلم تمضِ من الزمن حقبة واحدة عقب الاستقلال حتى خرجت ليبيا من قائمة الدول الفقيرة إلى ذوات الموارد، فتختلط أوراق كثيرة، وتدخل البلاد عهدا يرتبط وجوده بغياب الملكية والقواعد الأجنبية، ولم يبقَ للاستقلال من ذكر لأربعة عقود كاملة، ليعود مع منتهى الحادي عشر من قرننا هذا، ليس من أجل المراجعة والتدبر وتفادي السقطات، وإنما بمضاعفتها مرات ومرات، والإصرار على ارتكابها مهما ارتفعت أصوات الاحتجاج أو لاحظت دوائر المراجعة في كثير من الاحتشام.

وحسبك أن من بيدهم القرار قد بدأوا عهدهم بمضاعفة رواتب المؤتمر فالنواب فالمجلس، الذي يصر على التوقيع بكلمة الأعلى، مع أن الأعلى قد ارتبطت بالدساتير، فصدق على المعنيين القول الخالد «كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا»، وعِش رجبا ترى عجبا، كما هو المثل المعروف، وقد يكون من الأصوب أن يكون عنواننا «الاستقلال ورجب وعظيم العجب».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»