Atwasat

النيهوم مترجماً (4-4)

سالم الكبتي الأربعاء 17 ديسمبر 2025, 12:28 مساء
سالم الكبتي

(الخلق الفني يحتاج إلى موهبة)
النيهوم
.. ثم اتجه النيهوم مباشرة منذ أواخر العام 1966 إلى ترجمة مجموعة من الكتب أو فصول مهمة منها على مدى الفترات اللاحقة حتى توقف جريدة الحقيقة عن الصدور مطلع العام 1972. التوقف كان بسبب أحكام (محكمة الشعب) التي أغلقت بعض الصحف المستقلة واستجوبت مسؤوليها تلك الأيام.

كان الصحفي هوتشنر من الشباب الذين أقبلوا على همنجواي ورافقوه على مدى أربعة عشر عاما منذ 1948 الى انتحار همنجواي في يوليو 1961. عرف الكثير من أخبار الكاتب الشهير ومؤلفاته وسيرته. ظل يسجل ما أدركه ووقف عليه في تلك الرفقة خاصة عبر إقامة همنجواي في كوبا. وانتهى به المطاف إلى إصدار كتابه (بابا همنجواي) العام 1965.

أثار الكتاب حساسية لدى زوجة همنجواي ورفعت ضده دعوى في المحاكم عقب النشر. كشف الكتاب أسراراً كثيرة تتعلق بالحياة الخاصة لهمنجواي. لم يلاق ما ورد في فصوله الزوجة فلجأت إلى القضاء. تابع المهتمون الجلسات تلك الأيام. ولانبهار النيهوم بالكاتب الأميركي وأسلوبه ترجم الكتاب في جملة من فصوله مصحوباً بصور نادرة لهمنجواي واحدة منها أظهرت همنجواي على سريره عارياً يقرأ إحدى الصحف في كوبا. وقعت الترجمة التي نجح فيها النيهوم في ثماني حلقات استغرقت أياماً من ديسمبر 1966 ويناير 1967. وضع السيرة الذاتية ومذكرات هوتشنر عن كاتبه المفضل أمام القراء قبل أن يصل الكتاب مترجماً في فترة لاحقة من قبل دار الآداب في بيروت بإنجاز من ماهر البطوطي.
وكما أشرت سابقا فإن ترجمات النيهوم للإصدارات المتنوعة وباختياره ترافقت مع ترجمات عديدة لمقالات وتحقيقات عن أحداث ومشاهد طغت على سطح العالم تلك الأعوام. وقف عليها القارئ الليبي بنفسه من خلال المتابعة والقراءة. وجد جوا خاصا وفنا أدبيا أضفى خلقا وإبداعا في تجربة النيهوم الأدبية والفكرية. لم يختلف أسلوب النيهوم في الترجمة عن أدائه وخلقه الفني من خلال مقالاته ودراساته في الوقت ذاته. كانت الجريدة على الدوام تمتلئ بنتاج النيهوم في عددها الأسبوعي وإصدارها اليومي بدءاً من السابع من مارس 1966. شكل حضور النيهوم اليومي بعداً جميلاً في القراءة والتواصل معه.. والاختلاف أيضاً. ظل النيهوم يكتب ويترجم فيما يسهر غيره جراءها ويختصم!

وفي تلك الأيام صدر كتاب (موت رئيس) لمؤلفه وليام مانشستر. يتحدث فيه عن اغتيال الرئيس الأميركي جون كنيدي في نوفمبر 1963. وهنا سارع النيهوم إلى ترجمته التي وقعت في اثنتين وثلاثين حلقة في العدد اليومي للحقيقة اعتباراً من يناير 1967 بعد فراغه من بابا همنجواي. كان اغتيال كنيدي شد انتباه الدنيا من أطرافها بما تبعه من مفارقات وغموض وأسرار لم يصل أحد إلى معرفتها في صورتها الحقيقية حتى الآن. كان عملا تختفي وراءه العديد من التفاصيل المسكوت عنها حتى الآن. وفي تلك الأيام قامت صحيفة الأهرام في القاهرة بترجمته ثم إصداره في كتاب وصل إلى المكتبات في ليبيا.

لم يتوقف النيهوم عن عطائه في الترجمة. كان يلتقط ويتابع الحدث في العالم ويشتغل على نقله بأمانة من مصادره الأصلية. العالم الذي يعيش ظروف وتجارب الحرب الباردة بين القطبين.. الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
في مارس 1967 كانت سفيتلانا ابنة الزعيم السوفييتي وديكتاتور الكرملين.. ستالين قد هربت إلى (العالم الحر) وتركت أولادها في موسكو. لجأت إلى السفارة الأميركية في نيودلهي ثم وصلت برعاية أميركية الى الولايات المتحدة. كانت تريد إحراج بلادها وتحقيق رغبتها الشخصية في العيش بأميركا. تداعى العالم لهذه الحادثة. وبعدها بشهرين نشر النيهوم قصة الهروب الشهيرة في مايو على مدى سبع حلقات متواصلة. ثم في يونيو 1967 وفي سبع حلقات أيضا ترجم ونشر النيهوم سلسلة حلقات عنوانها خيمة في الجحيم.

كانت الأنباء أيامها أذاعت بأن أحد قوارب خفر السواحل في أستراليا التقط رجلا وامرأتين تائهين في المحيط فوق طافٍ بدائي مصنوع من جذوع الشجر. دام وجودهم فترة ثلاثة أشهر في جزيرة مهجورة وبعيدة بعد أن جنح القارب فوق الصخور المرجانية النائية وصحبت الترجمة مجموعة من الصور. كان العالم يصنع الحدث ويتابع والنيهوم يترجم ما يدور ويصل إلى ليبيا. كانت في كل الأحوال ترجمات لم يعهدها القارئ الليبي سابقا وبهذا الشكل الأدبي والفني. موضوعات جديدة ومثيرة.

النيهوم أيضا خلال ذلك العام نقل للقراء تداعيات وآثار العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967 على ثلاث دول عربية هي مصر وسورية والأردن. عبر كتاباته وترجماته الغزيرة. وفي جانب موازٍ وضع أولئك القراء والمتابعين له في ظروف أخرى تختلف عن أخبار الحرب والنكسة. نهض بترجمة سبع حلقات بعنوان شراع بين القارات. قصة تحكي عن فرنسيس العجوز الذي احتفل بعيد ميلاده الخامس والستين أيامها فيما كان قاربه الشراعي يعبر الباسيفيكي في رحلة حول العالم طولها تسعة وعشرون ألف ميل. الرحلة انطلقت من بلايموت وانتهت في سيدني. كان ذلك في شهري يونيو ويوليو 1967.. العام الساخن جدا على العرب الذي أصابهم بالنكسة والحزن.

العالم كان منشغلا بحرب ملتهبة في فيتنام. أميركا تلقي القنابل وتحارب الثوار هناك. كان لديهم الشجاعة والإصرار على هزيمة العدوان. النيهوم كان متـأثرا ومتابعا لهذه المقاومة من الناحية الإنسانية والوجدانية. ظلت فيتنام جزءاً من اهتماماته على الدوام. صدر عن هذه التجربة كتاب قلبي مع الفيت كونغ لصحفية فرنسية شابة اسمها ميشيل راي. كانت تغطي أنباء الحرب هناك لحساب إحدى الصحف اليومية ثم وقعت أسيرة في قبضة الثوار. تضامنت معهم وعادت إلى بلادها وحكت تفاصيل ما عاشته وشاهدته. كانت رحلة صحفية مثيرة داخل فيتنام ترجمها النيهوم في عشر حلقات بين يوليو وأغسطس 1967. وفي نوفمبر 1967 ترجم مقالات في ثلاث حلقات عنوانها هل اغتال تشرشل هذا الرجل؟

بعد مصرع أرنستو جيفارا في بوليفيا سرق رجل مذكرات جيفارا وظل يساوم بالمزيد من المال. المذكرات كانت عبارة عن مفكرة يومية ذات غلاف جلدي تقع في ثلاثمائة وخمسة وثلاثين صفحة. الأصل كتب بخط جيفارا بالإسبانية وكان ثمة نسخة روسية ترجمت في هافانا المانية ترجمت أيضا في هامبورج. وظلت المذكرات في دائرة الاهتمام العالمي وعرضت بشأنها الأموال الكبيرة من قبل دور النشر. قام النيهوم بترجمتها في عشر حلقات خلال أغسطس 1968 مشيرا إلى أن صحيفة الحقيقة في بنغازي تقدمها للقراء بالمجان!
ثمة مشروع يتعلق بإحياء تراث الترجمة عند النيهوم يستغرق تفكيري منذ فترة بإخراجه من مساحة أرشيفي الخاص وإصداره ضمن مشروعي القديم سلسلة (مكتبة النيهوم). لعل الوقت يتيح ذلك قريبا.. ومن الله العون.
ثم أقول في الخاتمة:

انتهت ترجمات النيهوم بنهاية جريدة الحقيقة. لكنه في أعوام تالية سينصرف إلى إعداد وترجمة أعمال موسوعية في جنيف. أضاف ضمن فريق مصاحب له المزيد من جمال الترجمة خلالها على هذه الجهود التي ظلت تغفل الصادق النيهوم.. مترجما وتهتم به كاتبا وأديبا.. ما يزال يشغل الناس بلا توقف!!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»