Atwasat

حين يهجر الجمهور صالات الثقافة

توفيق عياد الشقروني الإثنين 15 ديسمبر 2025, 03:16 مساء
توفيق عياد الشقروني

في الوقت الذي تشهد فيه المجتمعات حراكاً معرفياً متسارعاً وتضخماً غير مسبوق في قنوات المعلومات، تعيش الأندية الأدبية والمنتديات الثقافية مفارقة غريبة ومؤلمة؛ فبينما تزدحم المقاهي ومراكز التسوق وتنشط النقاشات الافتراضية، تعاني قاعات المحاضرات الرصينة من «خواء» مخيف، حيث باتت صفوف الكراسي الفارغة مشهداً يومياً لا يكسر صمته إلا صوت محاضر يتحدث لنفسه أو لقلة من أصدقائه.

إن هذا المشهد المتكرر يطرح تساؤلاً ملحاً حول ما إذا كان الشغف الثقافي قد مات لدى الجمهور، أم أن المؤسسة الثقافية نفسها قد شاخت وفشلت في مواكبة العصر، والحقيقة أن تحميل الجمهور مسؤولية هذا الغياب هو الهروب السهل، بينما يتطلب الأمر شجاعة للاعتراف بأن المنتج الثقافي المقدم يعاني من أزمات بنيوية عميقة صنعت فجوة ثقة هائلة بين المنصة والمتلقي.

ولعل أول ما يواجه الباحث عن أسباب هذا العزوف هو أزمة «المحتوى» التي تتسم بفقر الموضوعات واجترار المكرر، إذ يعاني المتابع للمشهد الثقافي من حالة ملل ناجمة عن انفصال ما يُطرح في القاعات عما يعيشه الناس في الواقع؛ فكثير من المنتديات لا تزال أسيرة لمواضيع قتلت بحثاً منذ عقود، غارقة في السرد التاريخي أو التخصص الأكاديمي الجاف الذي لا يناسب الندوات العامة، متجاهلة الأسئلة الحارقة التي تشغل بال الجمهور اليوم حول التحولات الاجتماعية المتسارعة، وتحديات التكنولوجيا، والأزمات الاقتصادية، مما يجعل الحضور يشعرون بأن هذه الفعاليات مجرد تأدية واجب وظيفي لملء أجندة النشاط السنوي، دون تقديم أي قيمة مضافة تستفز الفضول المعرفي أو تلامس همومهم اليومية.

ولا تتوقف المأساة عند حدود العناوين الباهتة، بل تمتد لتشمل أزمة الأداء وضعف المحاضرين، فالمحتوى الجيد قد يقتله متحدث يفتقر إلى مهارات التواصل؛ إذ تبتلى الكثير من المنابر الثقافية بظاهرة المحاضرين الذين يدفنون رؤوسهم في الأوراق ليقرأوا منها بنبرة رتيبة وباردة طوال الوقت، دون أي تواصل بصري أو تفاعل حي مع الحضور، معتمدين فقط على درجاتهم العلمية أو مكانتهم الوظيفية دون اكتراث بفنون الإلقاء والجذب.

هذا الأسلوب التقليدي الجامد، الذي يفتقر إلى الكاريزما والحيوية، يحول الساعة الثقافية إلى «عقوبة» من الملل بدلاً من أن تكون متعة فكرية، مما يدفع الجمهور -الذي يمتلك ذكاءً فطرياً في التمييز- إلى اتخاذ قرار بعدم العودة مرة أخرى لمكان لا يحترم حقه في الاستمتاع بالمعرفة.

وفي سياق البحث عن الأسباب الأكثر عمقاً وتأثيراً في ضرب مصداقية هذه المنتديات، تبرز ظاهرة فوضى الهواة واستباحة التخصص كواحدة من أخطر المعاول التي هدمت هيبة المنصة الثقافية؛ ففي ظل السعي المحموم لملء جداول الفعاليات أو البحث عن الشهرة الزائفة وجذب الانتباه، فُتحت الأبواب على مصراعيها لغير المتخصصين ونشطاء التواصل الاجتماعي للخوض في قضايا تخصصية دقيقة ومعقدة، كالفلسفة والنقد الأدبي والتاريخ.

إن تصدير هؤلاء الهواة، الذين يستندون غالباً إلى معلومات سطحية أو منقولة دون تمحيص، أدى إلى تسطيح المعرفة وتنفير النخبة المثقفة التي تبحث عن الرصانة، وفي الوقت نفسه خداع الجمهور العام، وحين يتساوى العالم بالهاوي على المنصة نفسها، تفقد المؤسسة الثقافية وقارها وتتحول من منارة للتنوير إلى مساحة للثرثرة غير المجدية.

إن هذه العوامل مجتمعة، مضافاً إليها توفر البديل الرقمي القوي الذي يتيح للفرد متابعة أرقى المحتويات العالمية بضغطة زر وهو في منزله، تؤكد أن عودة الروح إلى المنتديات الثقافية لن تتحقق بالبكاء على الأطلال أو لوم الجمهور المشغول، بل الحل يكمن في «ثورة تصحيحية» تعيد الهيبة للمنصة؛ ثورة تبدأ باحترام التخصص، وانتقاء متحدثين يملكون ناصية البيان والعلم معاً، وطرح موضوعات جريئة تشتبك مع الواقع، فدون هذه المراجعة الشاملة، ستظل الكراسي فارغة، وسيظل الجمهور يبحث عن المعرفة في أماكن أخرى تحترم عقله ووقته.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»