Atwasat

مملحة الذهب

محمد عقيلة العمامي الإثنين 15 ديسمبر 2025, 01:35 مساء
محمد عقيلة العمامي

شمس الله تشرق على الأبرار والأشرار.. على أولياء الله من فقهاء وقديسين وظلمة وأشرار. كلهم يشتركون في الإنسانية. والناس تتألم من رحيل الأبرار، ويتسلط عليها همٌّ وكَدٌّ: لماذا يرحل الأبرار؟ ولماذا يتكدر الطيبون ونتألم من رحيلهم عنا؟ إنها بلا شك، مشيئة الله كشروق شمس وغروبها؟

نحن نحزن وننزعج حد التساؤل: لماذا يرحل عنا الأنقياء؟ ونلحق سؤالنا بآخر، عندما تبلل مآقينا الدمعة قبل أن نتذوق طعمها: ولماذا لا يرحل عنا الأوغاد السيئون والمؤذون؟ ولماذا يمرض الأطفال؟ ولماذا يموتون؟ مثل هذه الأسئلة ترفضها الأديان كافة، لأن إجابتها مشيئة الله، ولكن قناعتنا بهذه المشيئة تجعلنا نكمد الحزن ولا نبوح به، لأننا لا نستطيع إيجاد مبرر يجعلنا نتقبل بسهولة مرض الناس الطيبين من رجال الدين من أئمة وقساوسة، وحاخامات وعذاباتهم وموتهم.

نظام الكون واحد، يسري على الصالحين والطالحين، الصالحون تحف بهم قوة الإيمان بمشيئة الله ومنها يستمدون الشجاعة على تحمل عذابات القدر، تغمرهم الشجاعة والقدرة على تحمل الآلام، فينتصرون عليها ويصبحون سادة أنفسهم، لأنهم لا يخلطون الخير بغيره من الصفات المتنوعة في الحياة من ملذات فانية وهوس بما هو فان وزائل، ولكن الإغراء حقيقة! وكلنا عرضة إليه، وليس بمقدور المرء أن يقاومه إلا إن فهمه على حقيقته؛ والإغراء قديم قِدَم آدم و(سيدتنا) حواء! وسعادة المرء وتعاسته تتوقف على قدرته على معالجته، وإن لم تعالجه يستبد بك ويجرك من أنفك أحيانا، والواقع غالبا نحو ما لا تحمد نتائجه!

يقول أطباء علم النفس إن المشكلة الأساسية التي تتسلط على الذين يحتاجون إلى الدعم النفسي، هي قوة الإغراء على تنفيذ العمل الخاطئ، وغالبا ما تكون قناعة المرء بأن المتعة التي سوف يجنيها، أقوى كثيرا من جهد رفضه لتنفيذه! والإغراء مسألة قديمة للغاية، أليس هو الذي تسبب في طرد آدم، ورفيقته، من الجنة؟ ويؤكد علماء النفس أن سعادة المرء أو تعاسته تتوقف على قدرته في مقاومة الإغراء! وهذه المقاومة لا تتحقق إلاّ بوقفة في مواجهة الذات، وتنبيهها أننا قد ولدنا مهتمين تماما بذواتنا، ورغباتنا، وما نرى أنه يسعدنا، وأن نكران ذلك أمر ليس بالسهولة التي يتخيلها البعض، وللأسف علينا أن نعترف أنه حتى إن حقق العقل البعض من إنكار الذات وتنفيذ رغباتها، فإن جزءًا كبيرا منه يظل على بغيه ورذيلته وضراوتها!

ويؤكد علماء النفس أنه على المرء أن يقتنع بأنه لكل منا دوافع خاطئة، وينبغي أن يعترف المرء بها، ويعلم في قرارة نفسه أنه ليس وحده في هذا الأمر، وصدق القول «من كان بلا خطيئة فليرجمها!..» ولكن علاجها لخصها مثل صيني يقول: «إنك لا تستطيع أن تمنع الطيور من التحليق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من بناء أعشاشها في شعرك!».

والأمر الثاني: «هو ألا تُخمد ضميرك، فصوته همسة ولكنها تكون أكثر عنفا مما تتخيل لو تجاهلتها!» والأمر الثالث: «أدع الله لمساعدتك.. فالدعاء من أكثر الوسائل فاعلية في استحضار حكمة العقل. والرابع: «مجابهة نقاط ضعفك فأنت فقط من يستطيع أن يحددها وعليه أن يعترف بها.. ويقاومها «في الغالب تسع من عشر حالات إغراء تفوق مساوئها النهائية من الارتياح الموقت.. وعليك أن تتذكر ذلك!». والخامس: «ولأن الإغراء مسألة شخصية عليك أن تتأملها وتناقشها مع نفسك من جوانبها كافة وعندها ستبرز لك مساوئها كافة وعليك مقارنتها، بمحاسنها إن كان لها محاسن..» وأخيرا لا تتوقع المعجزات، فالقديسون لهم متاعبهم.. وتذكر أن القديس بولس كتب في ذلة وحنق: «لم أفعل ما يجب أن أفعله.. وأمارس الشر الذي يجب ألا أقترب منه» فإذا كان رجلا بمثل إيمانه اعترف بضعفه لأنه إنسان، فكيف نحن من هؤلاء المباركين.

ولكن العبرة أن نعترف أولا أننا خطاؤون.. وإن اقتنعت بسطوة الإغراء تأكد أنك ستعرف مغبة طاعته.. فحياة المرء مجرد معركة مستمرة بين الأضداد.. كالخير والشر، والإنسان السوي هو الذي ينتبه إلى السوء ويعالجه بحكمة، سواء أكان هذا السوء منه، أم أنه رآه أو علم به.

يحكى أن رئيس بروتوكول ضم رؤساء دول (الكومنولث) شاهد أحد الضيوف يضع في جيب سترته مملحة مصنوعة من الذهب، فذهب إلى رجل بريطانيا الكبير (ونستون تشرشل) وأخبره بما حدث فقال له: «لا عليك، سوف أعالج الأمر»، والتقط تشرشل مملحة كتلك التي أخذها الضيف، وذهب بها بالقرب من الضيف وأخرجها له بحذر من جيبه ليراها، وهمس له بحذر: «لقد رأى رئيس البروتوكول ما فعلنا، فالأفضل لنا أن نعيد المملحتين إلى مكانهما! «ووضع ما بحوزته فوق المنضدة وغادره! ولم تقل المعلومة ماذا فعل الضيف اللص!؟ وإن كانت بعض المعلومات التي تسربت تقول إنه أخذ مملحة أخرى نكاية في تشرشل!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»