Atwasat

إمبراطورية من أوهام: المستكشف والديكتاتور والرياضي

عطية صالح الأوجلي الإثنين 08 ديسمبر 2025, 02:09 مساء
عطية صالح الأوجلي

عندما يتناهى إلى مسامعي ذكر البرتغال فإن ثلاثة شخصيات ترد إلى ذهني، ثالوث يختزل مأساة البرتغال الحديثة: المستكشف الذي وضع الأساس، والديكتاتور الذي جمد الزمن، والرياضي الذي جسد التناقض. الثلاثة ارتبطوا بتاريخ هذه البلاد. فعلى الرغم من اقتحامها المبكر للبحار ووصولها إلى ثروات العالم الجديد، ونهبها لخيرات أميركا الجنوبية، إلا أنها عجزت عن التطور واللحاق بمثيلاتها في القارة الأوروبية.

• صانع المجد للغير: أوزيبيو
أوزيبيو دا سيلفا فيريرا (1942-2014) اللاعب والساحر الأسمر وأحد نجوم كأس العالم 1966 والذي مثل وجوده في منتخب البرتغال قمة التناقضات التي تميزت بها علاقة البرتغال بمستعمراتها الأفريقية، حيث كان رمزا للموهبة الأفريقية التي استخدمها النظام الاستعماري كأداة دعاية له فيما كان أهله يعانون القهر في موزمبيق.

جرى «اكتشاف» أوزيبيو في بلده الأصلي حيث الخيارات محدودة أمام المواهب، نُقل إلى البرتغال ليتحول إلى استثمار اقتصادي ضخم لفريق بنفيكا ومن بعده منتخب البرتغال. وفي الوقت الذي كان اقتصاد البرتغال متخلفاً، مثل أوزيبيو السلعة النادرة التي جلبها الاستعمار، فحقق جماهيرية نادرة في بلد الزعيم الواحد وأسهم في إلهاء الناس عن مشاكلهم الحقيقية. لم يتخلَ أوزيبيو عن هويته الأفريقية أبدا، لكن مسيرته الكروية ارتبطت بعمق بالإمبراطورية التي استعمرت بلده، واستغلت موهبته.

أوزيبيو ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل تجسيدا لعلاقة استعمارية معكوسة: الموهبة تولد في الهامش، لكنها تُستثمر في المركز. هذه المفارقة تكشف أن البرتغال لم تكن قادرة على إنتاج مجدها من داخلها، بل كانت دائما بحاجة إلى استيراد القوة من مستعمراتها. مجدها كان دومًا مجداً مسلوبًا، يضيء الآخرين أكثر مما يضيء ذاتها.

• جالب الثروات واللعنات: دا غاما
فاسكو دا غاما (1469-1524)، الملاح الذي فتح الطريق إلى الهند العام 1498، لم يكن مجرد مستكشف، بل كان مهندسًا لاستراتيجية قاصرة. لقد كان هدفه الأساسي هو كسر احتكار العرب والبندقية لتجارة التوابل مع الهند، ولتحقيق ذلك استخدم (خصوصا في رحلته الثانية 1502)، كل أساليب القسوة والإرهاب، بما فيها حرق السفن المليئة بالحجاج.

لم تكن رحلات دا غاما مغامرات بحرية بل إعلانا عن ولادة منطق جديد: العنف الاقتصادي. تحولت التجارة إلى قهر، وغدا البحر ساحة حرب لا ساحة تواصل. فرحلته أنهت تجارة العبور عبر البلدان الإسلامية، وانهارت اقتصادات المشرق، واضطربت سياساته. كما أن أفريقيا الشرقية، بموانئها وأسواقها، تحولت إلى ضحية. إذ استبدل البرتغاليون التبادل بالقهر، والأسواق بالحصون، والعقود بالمدافع. هكذا وُلدت الإمبراطورية على نار المدافع لا على جسور التبادل.

لقد جلب دا غاما الثروات، لكن النخبة البرتغالية الحاكمة، حولتها إلى لعنات ما زالت تداعياتها تطارد البرتغال حتى اليوم. فبينما استثمرت بريطانيا وفرنسا وهولندا ثرواتها في المصانع والجامعات، أنفقت البرتغال ذهبها على اقتناء السلع، والعيش المرفه وتزيين الكنائس بالذهب. وهكذا بقيت البرتغال أسيرة الريع، عاجزة عن خلق مستقبل، ترى في الخارج خلاصًا، وفي الداخل عجزا لا دواء له.

• مهندس التخلف وحارس الأوهام: سالازار
أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، لم يكن مجرد ديكتاتورا عابرا، بل رمزا لفكرة تجميد الزمن وحارسًا أعمى لإمبراطورية بائدة. مشروعه الذي أسماه الدولة الجديدة (1932- 1974Estado Novo ) كان محاولة لإبقاء البرتغال في ماضي من الأوهام. بينما كانت أوروبا تعيد بناء نفسها، كان سالازار يحكم البرتغال بمطرقة القمع ومنجل الرقابة. هاجر أبنائها، وانعزلت عن العالم.

لكن أعظم أوهام سالازار كانت المستعمرات الأفريقية، أنغولا، موزمبيق وغينيا بيساو، التي كانت مصدرا أساسيا للموارد الطبيعية التي اعتمد عليها اقتصاد البرتغال الريعي والمتخلف، رآها سالازار ليست ممتلكات فحسب، وإنما رئة وهمية تتنفس بها دولة تحتضر، لم ير أنها مقبرة لأحلامه، فرض نظام العمل القسري على سكان المستعمرات، ومارس الفصل العنصري غير المعلن، وقمع حركات التحرر بدموية مفرطة، فاندلعت واحدة من أطول وأعنف الحروب الاستعمارية في التاريخ الحديث (1961-1974).

سالازار أراد أن يوقف عقارب الزمن، لكنه سقط تحت ثقل أوهامه. فالحرب التي أطلقها استنزفت البلاد شبابًا ومالاً، وأججت روح السخط داخل الجيش، لتنتهي بثورة القرنفل (1974) التي أطاحت بالديكتاتورية، وأجبرت البرتغال على العودة إلى حجمها الحقيقي: دولة أوروبية صغيرة، تاركة أوهامها مدفونة هناك في حقول أفريقيا.

هذا الثالوث معاً – المستكشف القاسي، الديكتاتور المتخلف، والرياضي المُستغل- يروي قصة فشل ذريع لبلد استطاع أن يشق البحار ويغزو العالم الجديد وينهب الثروات، ولكنه بقي أسيرا لتخلفه.
وبين أمواج البحر التي حملت دا غاما، وجدران القمع التي شيدها سالازار، وصرخات الجماهير التي هتفت لأوزيبيو، تتجلى مأساة البرتغال: إمبراطورية من الوهم، لم تستطع أن تحول نهبها إلى نهضة، ولا أن تجعل من مجد الآخرين مجداً لها.

• أبواب فُتحت... وأبواب أُغلقت:
وهكذا، تكشف لنا حكاية هذا الثالوث عن أكثر من مجرد تاريخ؛ إنها تشريح لفشل بنيوي في الخيال السياسي البرتغالي. لم يكن إخفاق البرتغال مجرد سوء حظ أو نقص في الموارد وإنما إخفاقاً في تحويل الغزو إلى حضارة، والثروة إلى إنتاج، والتوسع إلى فكرة.

لقد اعتقدت لشبونة أن بإمكانها أن تظل إمبراطورية بمجرد الإمساك بالخريطة وتكرار أسطورة دا غاما، متناسية أن عظمة الأمم تبنى في مصانعها ومختبراتها، وكرامة مواطنيها، وليس فقط في حصونها البعيدة وكنوز مستعمراتها.

دا غاما فتح بابًا، لكن البرتغال ظلت عالقة على عتبته، تنتظر أن يأتيها الرزق من خارجه.
سالازار حاول إغلاق الأبواب والنوافذ، مجمد البلاد في متحف أوهام العظمة.

أوزيبيو بكل ما يحمله من تناقض أليم، كان تذكرة الخروج الوحيدة للعالم- ليس بسر قوته العسكرية أو الأيديولوجية، بل بجمال عفوي وأنيق، سرق الأضواء من مشروع الإمبراطورية نفسه.

أخيرًا، تخبرنا قصة البرتغال أن التاريخ لا يقاس بمن يصل أولاً، بل بمن يبني مما وصل إليه. وأن أعظم اللعنات قد تكون، أحياناً، في الإصرار على تحقيق حلم قديم بطريقة تنسيك أن تحلم من جديد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»