تبدو ليبيا اليوم أشبه بدابة التصق بجسمها عدد كبير من القراد، والقراد حشرة صغيرة تتعلق بالأشجار وتسقط على أول دابة تمر تحتها، وتبدأ على الفور في مص دمها، ولا تملك الدابة أي شيء لتطرد القراد سوى ذيلها، فتنش به الذباب الذي يجذبه الدم، ولكنها لا تستطيع طرد القراد، فهي لا تملك أنياب الكلاب لتعض القراد وتستأصله، ولا تملك مخالب القط ليشطر به القراد إلى نصفين، ولا يبقى أمامها كلما أطلق سراحها إلا التمرغ على التراب لتهرس تحت وزنها الثقيل هذه الحشرة المزعجة، ومع ذلك فهي تتخلص من القراد الذي يمص ظهرها، ولكن لا تستطيع التخلص من القراد الذي يهاجم رأسها ووجهها وبطنها.
ليس قادة الميليشيات في الغرب والشرق، وحكومات الفساد ونواب الشعب في مجلسيه التشريعيين، وكل من تولى المسؤولية العامة هم قراد ليبيا، فقد سبقتهم أنواع كثيرة من القراد، في عهد القذافي وفي العهد العثماني الأول والثاني، وفي دولة القرهمانليين وكل أنواع الغزاة الذين حكموا ليبيا.
أول حاكم يحكم ليبيا باسم السلطان العثماني هو مراد آغا، ويجمع ابن غلبون وأحمد النائب الأنصاري وشارل فيرو وإن اختلفوا في التفاصيل، على أن مراد من أصول إيطالية، خطفه القراصنة وهو طفل صغير وبيع في سوق العبيد وتربى في الشام، وتعلم العربية والتركية، حتى اشترته إحدى محظيات السلطان سليم الأول، فأغرمت به وبوسامته، وحتى يمكنه الدخول على الحريم تم إخصاؤه، وبعد وفاتها تركت له أموالا كثيرة، وشارك في الحملة التي قادها سنان باشا لتحرير طرابلس من فرسان القديس يوحنا عام 1551م قادما على رأس مئتي فارس من تاجوراء، ثم تركه سنان حاكما على البلاد بعد أن تآمر على درغوث باشا لصالح مراد، الذي حكم حتى عام 1556.
قبل أن ينجح درغوث باشا في الحصول على مرسوم من السلطان بتعيينه واليا على طرابلس، فاعتزل مراد في تاجوراء وبنى الجامع الذي يحمل اسمه حتى الآن، واستهل درغوث عهده بحملة عسكرية على غريان ثم ترهونة وأخيرا ورفلة، لإجبارهم على دفع الضرائب، وبنى حصنا في غريان للحامية التركية، وفي عام 1588 تمرد أهالي تاجوراء على عسف الأتراك بقيادة يحيى السويدي، الذي طلب العون من أهالي غريان ومسلاتة وترهونة ومصراتة ومن المحاميد بقيادة ابن نوير، الذي تظاهر بمساندة السويدي ولكنه كان على اتصال بالأتراك، وأثمرت مؤامرته عن إفشال الهجوم الذي قاده السويدي على أسوار طرابلس؛ بل إن ابن غلبون والنائب يؤكدان أن ابن نوير هو من قتل السويدي بطعنة من سيفه، ومنذ ذلك الوقت أعفى ابن نوير وقبيلته من دفع الضرائب، وكان يتحصل من حكام طرابلس الأتراك على الأموال والهدايا كل عام.
تؤكد الوقائع التاريخية أن طرابلس لم تنجح في أي انتفاضة من داخلها، ما لم تتحالف مع سوق الجمعة والمنشية وتاجوراء، وحتى مع الريف الأبعد للمدينة مثل غريان ومسلاتة وترهونة وزليتن ومصراتة وورشفانة، ولكنها كانت دائما تتحاشى التحالف مع القبائل البدوية، لأنها تشكل خطرا على المدينة أكثر من الغزاة البحريين، فبعد فشل ثورة يحيى السويدي ندم سكان طرابلس على الاستنجاد بالعثمانيين، لأنهم اكتشفوا أن فرسان القديس يوحنا كانوا أكثر رحمة وأقل ظلما من الأتراك.
مثلما اليوم يشعر الكثير من سكان المدينة بالندم على الخروج ضد القذافي عام 2011، وهذا أمر طبيعي فمعظم الناس تبحث عن الأمن والأمان والاكتفاء الاقتصادي والخدمات، وإذا غابت هذه العناصر فلا معنى للحرية والديمقراطية وهذه الشعارات الكبيرة التي لم يجربوها من قبل، ولكن عندما يتطور وعي الناس يصبحون أكثر حرصا على هذه القيم من لقمة مغموسة في مستنقع الذل، وهذا لن يتحقق إلا من خلال التجارب المؤلمة والمعاناة.
جربت طرابلس كل أنواع الحكام. في يوم 13 مايو سنة 1675 توفي بالي داي حاكم طرابلس بعد معاناة مع المرض، فبايع الديوان والانكشاريون مصطفى بهلوان ليحل محله، ولكنه نسى أن يقدم الهدايا للانكشاريين بهذه المناسبة، فخلعوه بعد عشرة أيام ونفوه إلى جزيرة جربة، وعندها أرسل الباب العالي إبراهيم المصري واليا على ليبيا الذي خاض عدة مواجهات مع الأسطول الإنجليزي، قبل أن يقرر الانكشاريون الإطاحة به في شهر مارس سنة 1676، فتحايل عليهم وفر على متن سفينة ومعه ابنه وأمواله بعد أن دس السم لزوجته فماتت بعد يومين، بينما توجهت سفينته إلى مصر.
في عام 1701 خلع الانكشاريون شايب العين وقتلوه، ثم لم يتفقوا على من سيحل محله، فقرروا الاجتماع في مقهى بسوق الترك، وعندما لم يصلوا إلى حل اتفقوا على تعيين صاحب المقهى حاكما على طرابلس، فأقفل عثمان القهواجي مقهاه وتوجه إلى السرايا ليستلم مهامه، وحكم ثلاثة أشهر و23 يوما، إلا أنه عزل عندما صدق أنه الحاكم الفعلي.
تقريباً هذا ما يحدث في طرابلس اليوم، إلا أن الأتراك والأوروبيين اختفوا، ولم يبق على مسرح الأحداث إلا الليبيون، كما أن التدخل الخارجي أصبح حاسما أكثر من تدخل السلطان العثماني، الذي تمكن علي برغل من خداعه وخداع الليبيين، عندما انتزع الحكم من علي القرهمانلي بفرمان مزور عام 1794، ولكن اللاعبين السابقين لا يزالون على المسرح، فالانكشاريون تحولوا إلى ميليشيات، ورؤساء الحكومات الذين جربهم الليبيون بعد 2011 أشبه بالقهواجي والتارزي والحداد وهم حكام حكموا طرابلس.
ولا يزال سكان المدينة لا يثقون في البدو، ولا يثقون في بعض المناطق البعيدة عن المدينة، لأنها تذكرهم بأجدادهم الانكشاريين، وفي الوقت نفسه فسكان المدينة اليوم هم مزيج من كل هؤلاء، ولذلك لا يستطيعون مثل الانكشاريين التوافق على من يحكم البلد، ففي السابق اجتمعوا في مقهى في سوق الترك، واليوم يجتمعون في جنيف وبرلين وبوزنيقة والصخيرات، ويتظاهرون في ميدان الشهداء وسوق الجمعة وبوسليم، وكل مظاهرة لها مطالب تختلف عن بقية المظاهرات.
لم تعد طرابلس تلك المدينة الصغيرة التي يعرف سكانها بعضهم، ففي 1911 كان عدد سكانها لا يتجاوز 35 ألفاً، وهم مزيج من العرب والأمازيغ والكراغلة والأتراك والشركس واليهود والمالطيين واليونانيين ومن جميع أنحاء أوروبا ومن العبيد، وتحول عدد سكانها إلى أضعاف عدد سكان ليبيا عندما غزتها إيطاليا، ولكن القراد مستمر في مص دمهم، وتتحول المظاهرات إلى ما يشبه التمرغ في هذه الأماكن ليهرسوا القراد على ظهورهم، دون أن تكون لهم القدرة على التخلص من كل القراد، خاصة وأن البعض مثل الذباب يشارك القراد في الفتات، وبالتالي فهم لا يستطيعون تغيير واقعهم لأنهم غير قادرين على تصور مستقبلهم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات