Atwasat

العرب: هويات مستزرعة وأخرى محنطة

صالح السنوسي الأربعاء 19 نوفمبر 2025, 06:40 مساء
صالح السنوسي

إحدى أهم ركائز الاستراتيجية الغربية في المنطقة العربية هي تصنيع الهويات في معامل تفريخ مجهزة لذلك، فمنذ أن وطأت أقدام جيوشه تراب المنطقة لم تتوقف هذه المعامل حتى هذه اللحظة مستخدمة آليات من أهمها البعثات العلمية والمستشرقون ومراكز البحوث والإدارات المتخصصة في وزارات الاستعمار والخارجية وأجهزة الاستخبارات، وذلك بعد أن فرضت أساطيله ومدافعه وباروده رمز تفوقه وحداثته، وقائع على الأرض ليتم تلبيسها على الهويات المصنعة.

لا شك أن ترسخ استراتيجية الغرب في المنطقة والتي أصبحت إرثا ثمينا تتوارثه أوروبا والولايات المتحدة، لا يعود فيه الفضل إلى انتصار المدافع والبوارج والبارود فقط؛ بل يعود في الدرجة الأولى إلى نجاح الغرب في تجذير الهويات التي جرى تفريخها في معامله وتلك التي نبش قبورها وأعادها إلى الحياة، فقد اتبع الغرب منهجا جهنميا لتدمير العلائق والروابط والوشائج والمصالح التي ربطت منذ قرون بين التجمعات السكانية على امتداد المنطقة العربية فحولها من كتلة ديمغرافية لا عوائق أمام تفاعلاتها التي تطال مجمل جماعات هذه الكتلة، إلى مناطق نفوذ رسمت حدودها مصالح قوى الغرب المتصارعة على الغنيمة العربية.

وضعت السياسة الاستعمارية مخططا استراتيجيا تبنت من خلاله نموذجين فقط للهوية في المنطقة العربية ومحاربة أية أطروحة هوياتية أخرى أكبر من هاتين الهويتين اللتين رأى الغرب في تجذيرهما الضمانة الأكيدة الخالية من المفاجآت للحفاظ على سيادته السياسية والاقتصادية والعسكرية التي فرضها على هذه المنطقة بالحديد والنار.

النموذج الأول جرت صناعته وتلبيسه على مناطق العشائر والطوائف والمناطق التي تضم بلدات وقرى متجاورة بعد أن منحتها القوى الاستعمارية في صورة إقطاعيات، إلى فئات وزعامات محلية وسلالات لتمارس داخلها تحت حماية الغرب نفوذا بواسطة أشباه مؤسسات تتشابه شكليا مع تلك التي تميز الدولة الوطنية في الغرب كالجيش والأجهزة الأمنية والعلم والحدود.

لم تكن في الحقيقة التمايزات المحلية لهذه الجماعات، تهم الغرب في شيء إلا بقدر الخدمة التي تقدمها هذه الهويات المصنعة في الإبقاء على تمزق النسيج الاجتماعي والثقافي والتاريخي وتقزيم الوجود السياسي للهوية العربية الجامعة، ولكن بما أن هذه الكيانات لا تتوافر لها المبررات التاريخية والاجتماعية والثقافية التي كانت وراء ظهور الدولة الوطنية في الغرب، بل أقيمت معتمدة على البعد العشائري والطائفي والجهوى.

فإن الضرورة الاستراتيجية بالنسبة للغرب اقتضت إخراج هويات من معامل تفريخه وزرعها في تربة هذه الكيانات الكرتونية ومن ثم تغذيتها عن طريق تكريس مصالح وثروة مقتصرة على هذا الكيان وذاك لتجعل أهله القليلي العدد يغارون عليها ويخشون من مشاركة آخرين فيها، وبالتالي يرون من مصلحتهم الانكفاء على أنفسهم تحت مظلة الحماية الغربية، ثم تنشئة نخب هي أيضا تخشي على مكتسباتها التي تحوزها داخل هذه الكيانات، فتضطلع بمهمة الدفاع والتنظير لهذه الهويات المستزرعة عشائريا وطائفيا وجهويا، لكى تبدو هذه الكيانات وكأنها كانت دوما حقائق حضارية وثقافية جذورها ضاربة في أعماق التاريخ.

النموذج الثاني وهو لا يحتاج إلى تصنيع ولا لمعامل التفريخ الغربية بل يكفي أن يقوم علماء الآثار والأنثروبولوجيا الغربيون بنبش القبور والحفريات وصيانة المعابد، للبحث عن هويات هي في الحقيقي أدت دورها الحضاري ثم بادت وتجاوزها الزمن فاستراحت في متاحف التاريخ لتبقى قيمة مضافة إلى الحضارة والهوية التي أتت بعدها.

ولكن مرة أخرى ضرورات الاستراتيجية الغربية تقتضي البحث عن كل أطروحة يمكن أن تناهض الهوية العربية وتناصبها العداء واعتبارها هوية غازية، وبالتالي ينشأ واقع جيو سياسي يؤدى - كما يريد الغرب - إلى زيادة تشرذم وتقزيم المنطقة العربية وعزل هذه الدول التي تعتبر وارثة لهذه الهويات عن محيطها العربي وتحجيمها وتجريدها من دورها القيادي، لكي لا يكون في المنطقة أي كيان له وزن نسبي يمكن أن يكون مركز جذب ومصدرا للتفاعلات، بل تبقي المنطقة كما وصفها توم باراك المبعوث الأميركي إلى لبنان مجرد قرى وطوائف وعشائر لا تقوم فيها دولة.

لهذا فإن الغرب بمؤسساته الثقافية والعلمية وبإيعاز من الغرب السياسي يتبنى ويشجع عودة هذه الهويات ويزينها في عيون بعض النخب لا باعتبارها إرثا حضاريا يضاف إلى الهوية العربية، بل باعتبارها هويات بديلة عن هوية عبثية غازية قادمة من مجاهل الصحراء طمست كل الهويات التي كانت أعرق منها وأكثر منها مدنية.

عندما يتبنى الغرب هذين النموذجين من الهويات هو في الحقيقة يجذر الكيانات السياسية لهذين النموذجين اللذين لا يرى الغرب أي دور لهما سوى إضعاف الانتماء إلى الهوية العربية لأنهما يعاديانها ولا يندمجان معها، وبالتالي فهما يمثلان في نظره أمضى سلاح في مواجهة هذه الهوية التي تعتبرها استراتيجية الغرب كابوسها الحقيقي في المنطقة، لأنها رغم ما تتعرض له من قدح وتجريح وذم، إلا أنها هي الأطروحة الوحيدة التي تمثل طموحا وتحمل مشروعا حضاريا وجيو سياسيا يستطيع إذا نجح اقتلاع ركائز استراتيجية الغرب التي تكرس سيادته وهيمنته وجبروته في هذه المنطقة، ولهذا السبب دون غيره يعاديها الغرب بكل إمكانياته الثقافية والسياسية والعسكرية أيضا كلما اقتضي الأمر ذلك.

كانت وما تزال حرب غزة مختبراً وامتحانا أظهرت نتائجه بالنسبة للغرب نجاحا منقطع النظير لنجاح عملية استزراع وإحياء هذين النموذجين، حيث لم يجرؤ ما يقل عن أربعة وعشرين كيانا وهوية أن يوصلوا شربة ماء إلى أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين ويموتون تحت أنقاض بيوتهم عطشا وجوعا، بينما أطلق الغرب - في امتحان آخر - العنان لإسرائيل لتمارس البلطجة من شرق المنطقة إلى غربها كثعلب طليق في مزرعة دجاج.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»