Atwasat

الشبح في الآلة

سالم العوكلي الثلاثاء 11 نوفمبر 2025, 02:11 مساء
سالم العوكلي

من عقود وأنا أكتب، أو أخط بمعنى أصح، وفضلاً عن الحب والفراق والهجر والشوق واليأس والأمل، مضغت مفردات براقة عديدة، مثل الحوار والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والدولة المدنية، والمساواة، والحتمية التاريخية، والمصير، والنهضة، والتنوير، والعقل، والعلمانية ....... إلخ . وبعد هذا الردح الرادح من الزمن أكتشف أن اللغة هي التي تكتبني، أو بمعنى أصح تخطني، فاللغة هي الشبح في الآلة التي نسميها أجسادنا كما فسر ديكارت مفهوم الوعي، قبل أن ستحل قريباً الروبوتات الذكية بدل أجسادنا.

من خلال قراءاتي المتواضعة والمتوجسة للتاريخ ــ الذي لا أثق فيه كثيراً والذي كما يقال يكتب معظمه المنتصرون، وقليله يكتبه المهزومون، وبعضه يكتبه هواة السرد الثقيل الذي عليه أن يقصي الحياة وتفاصيلها ليؤلف كتباً ملحمية حاشدة بالأبطال والحروب والخونة والمتوترين ــ أكتشف أن تلك المفردات البراقة؛ التي بعضها أقل بريقاً، لم تتحقق في سيرة البشر رغم وجودها متبجحة في كل القواميس وبكل اللغات، ولن أذكر أمثلة عليها لأني لا أتذكر منها الآن سوى مفردتي العدالة والحرية اللتين لا تخلو منهما لغة رغم كل الشواش المُحدِق بهما، وقد يكون النسيان نعمة حين نكتظ بالذكريات المحبطة، أو يحتشد قاموسنا بالمفردات التي تشبه العفاريت، أو العناصر الكيميائية التي لم تُكتشف بعد وما زالت خاناتها تنتظر في جدول مندليف.

هي أوهام ولكن من قال إن ليس للأوهام جدوى أو فائدة، لأن الوهم جنازة حلم فارهة، غير أني كبرت على ممارسة ألعاب تشييع الوهم، وشُختُ حتى أصبحتْ أحلامي في ذمة الماضي، والعمر الغنائي الذي غادرته دون أن أحقق أو حتى أقترب من تلك الأناشيد التي غنيتها حينما كانت اللغة ولعي ولعبتي وشعوذتي التي بها أحاول أن أعالج أمراضاً عقلية كمن يعالج مسّاً بالسوط.

أسعى الآن إلى التطهر من هذا الخداع اللغوي، ومن خيانات سراب المعنى المضلِّل، لأن هذه المفردات رغم تلمُّسِها في مجتمعات أخرى كنا نشتاق لها أو نرمي بأنفسنا في البحر للوصول إليها، أصبحت تتعرى على الملأ، وتتحلل بتأثير المناخ السام الذي يسيطر الآن على العالم، فالكوكب لا يتعرض لتغيُّرٍ مناخي فقط، ولكن لتغيُّرٍ أخلاقي أخطر تسببت فيه أيضاً انبعاثات اللغة المضلِّلة.

أصبحتُ الآن أميل إلى تلك المفردات الساذجة التي تعاليت عليها في ذروة هيجاني اللغوي وهوسي بالعناوين الكبيرة والأهداف البعيدة والمصير البشري ...... إلخ.

مفردات مثل الخبز والملح، أو الرفقة والصداقة، أو الجيرة الطيبة، أو الهدرزة والسهاري والسهرات، أو أسماء الحبيبات أو حتى الحروف الأولى منها. وأحس الآن أنها أقرب لأن تعيد لي إنسانيتي وتحقق شيئاً من السعادة التي هي الهدف النهائي لكل تلك المفردات البراقة والشعارات الصادحة مذ تفتحتُ على فتنة مقولات مثل الاهتمام بالشأن العام، أو الوطنية، أو المثقف العضوي، أو التنويري .... إلخ.

صرت أصاب بالرعب حين أفقد صديقاً وهو على قيد الحياة، أو أقرأ هذا الهجاء والتنمر بلغة ركيكة على مواقع التواصل تجاه من له وجهة نظر أخرى، وقد تكون الأسباب وراء سوء الفهم الأزلي تلك المفردات الملتبسة التي لا علاقة لها بمثل هذه العلاقات الإنسانية التي تقام دون الحاجة إلى حشد أو تعبئة أو تضحية أو تخطيط طويل المدى أو استراتيجية ....... إلخ.

أقصد أسباب فقدي لصديق، أو جفاء بين أصدقاء جَمَعهم يوماً ما الألم المشترك في أقبية لا ترحم، وأُصابُ بالرعب حين أعلم أن أصدقاء تكدست بينهم أكوام من الخبز وسالت بينهم أنهار من الماء العذب والعطر، ونمت على أصابعهم سباخ من الملح، اختلفوا أو تخالفوا، وما عادوا يتواصلون بسبب سوء فهم معجمي، أو بسبب أشباح الآلة التي لا تنشط إلا في العتمة.

بدأتُ أبحث عن دروب أخرى نحو السعادة غير ما اقترحتْهُ اليوتوبيات الجافة المصاغة بلغة لا يعتريها ظل شك: خيال الليبرالية أو الاشتراكية أو البين بين، أو غيرها من السلع البراقة على أرفف التاريخ؛ التي تذكر في مقدمات نظرياتها أن السعادة البشرية هي الهدف الأسمى لها، وأن صواب الأعمال يُعيّر بقدر ما تُوفِّر أكبر قدر من السعادة لأكبر قدر من الناس، ثم جميعها تقتل الملايين قصفاً أو حصاراً أو تجويعاً أو كلها مجتمعة، أو تفرض عقوبات قاتلة على ما تبقى من ركام وجوعى وملاحقين. تلك اليوتوبيات المضلِّلة التي هي مثل بعض النظريات العلمية المتسقة نظرياً لكن لا يمكن تطبيقها عملياً. وفي ظل هذا العجز المحبط لا نملك إلا أن نبحث عن السعادة، غاية كل الاجتهادات فوق الأرض، في التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحياة تبتسم بقدر ما يتجهم التاريخ.

يبعث الصادق النيهوم المنتشي بعطر التفاصيل الصغيرة في شمال الكوكب رسالةً إلى صديقه التعيس في جنوبه، ويمازحه بالقول: اليوم قرأت خبر افتتاح مصنع بيرا في اليمن، واليمن السعيد أصبح فعلاً سعيداً. ولأن سردية التاريخ أطلقت على اليمن لقب (السعيد) دون أن تكشف الحفريات عن أي أثر لهذه السعادة، مازلنا نرى عن كثب كيف مرت جنازير العقائد المغلقة بأرضه الوعرة، وانحدر إلى هاوية البؤس كصخر حطه السيل من علٍ.

حين سألني مرة صديق عن أجمل منظر شاهدته في دبي (السعيدة) وفق وجهة نظره، قلت له مشهد منفضة السجائر على طاولة في مقهى، واستغربَ لأنه توقع أن أذكر ناطحات السحاب أو الشوارع الواسعة النظيفة أو الجزر المصنوعة في البحر، لكن في الواقع إذا كانت السعادة الشخصية هي الهدف فمنظر منفضة السجائر على طاولة خشبية في مقهى شعبي كانت تشكل لي سعادة لا توصف، وكنت أقول مراراً إن مقهى شعبياً في خان الخليلي غارقاً في ضباب الأراجيل يسعدني بقدر ما يكدر مزاجي هذا الانفجار المعماري الممسوخ من البلور في قلب صحراء تحرقها الشمس، ولا يُشعرك حين تمشي في وديانه الاسمنتية الموحشة إلا بكونك حشرة تحجب عنها الهياكل العملاقة بوصلة النجوم في السماء.

لم تكن المنفضة مصدر غبطة بالنسبة لي فقط، لكن لسائح سويسري يجيد التحدث باللكنة الشامية، التقيت به في القصبة بمدينة طنجة، وحين أخبرني أن جنته هي المغرب وجحيمه هو سويسرا، استغربتُ بدوري لأني ما زلت حاشداً بالمفردات البراقة، وحدثتُه عن حلمنا السويسري، والحريات ودولة القانون والعدالة وحقوق الإنسان... إلخ.

فضحك وقال أنا هذه عدالتي وحريتي، بعد أن رفع منفضة السجائر من على الطاولة، ولأن كلينا استشعر السعادة في وجود هذه المنفضة الممنوعة في دولٍ تحرص على حياة الإنسان بقدر ما تضخ فيها المصانع من أسلحة فتاكة وظيفتها أن تقتل البشر وهم في أفضل قواهم الصحية، أحسست أن ما قاله ترف إنسان مطمئن يعيش في دولة منظمة، صارمة القوانين، تحفظ كل حقوقه سواء أكان داخلها أو متسكعاً بجوازها الأنيق في مدن الجنوب القائظة التي يرى فيها جنته. وصرامة القوانين المتطرفة بالنسبة له تّحدُّ من الفوضى المنعشة التي غالباً ما نربطها بالفن ونمنعها عن الحياة، والفن المنضبط، المسمى ملتزماً، هو المأخوذ بتلك المفردات البراقة والمصطلحات الأقل بريقاً، والمعتقد دون ذرة شك أنه قادر على تغيير عالم لا يتحكم فيه ـ للأسف ـ سوى المال، ولوبيات الأسلحة، وأمراء الحرب السعيدين بقدر ما يوفرون من تعاسة لأكبر قدر ممكن من البشر.

لكن رغم عجزِ الفن عن تجميل العالم كما ينعكس في التاريخ، فإن بمقدوره، حتى دون لغة، تجميل الحياة اليومية والحفلات وسهرات الأصدقاء وبعض الجدران الناجية من ثقوب الرصاص أو لافتات الدعايات للسلع غير الضرورية والتي تخسف بسعادة شرائها فواتير آخر الشهر، وهذا ما يجعلنا نجزم دون تردد أن الحب فن، وأن الصداقة فن، وأن صناعة طاسة شاهي في المساء بالرغوة فن، عندما كان عشاق الشاي يتحلقون حولها ويتحدثون عن شؤونهم البسيطة بلغتهم البسيطة، وعن أمانيهم الصغيرة القابلة للتحقق.

الكاتبة الألبانية، ليا يبي؛ التي تربت مع ألاعيب اللغة تحت نير نظام قمعي لا يتحدث إلا عن الحرية والسعادة، ترصد في كتاب سيرتها هذا التعقيد لمفهوم الحرية بين شعاراتها الكبرى وتفاصيلها في الحياة اليومية. فبعد أن تحصلت على درجات في الفلسفة والأدب من جامعة روما، ستصبح أستاذة للنظرية السياسية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ويظل كل الشواش الذي يحيط بمفهوم الحرية يتبعها، فتذكر في خاتمة الكتاب أنها كانت تُخبر طلابها بأنه «لا يتم التضحية بالحرية فحسب عندما يخبرنا الآخرون ماذا نقول، وأين نذهب، وكيف نتصرف.

وأن المجتمع الذي يدَّعي تمكين الناس من تحقيق إمكاناتهم، لكنه يفشل في تغيير الهياكل التي تمنع الجميع من الازدهار؛ هو أيضاً مجتمع قمعي. مع ذلك، وعلى الرغم من كل القيود، فإننا لا يجب أن نفقد أبداً حريتنا الداخلية، حرية فِعل الصواب»*.

حرية فعل الصواب هي ما جعلت زياد رحباني، الثائر ضد سلطة اللغة المشحونة في أرض البلاغة السياسية، يقول: لا يمكنني تغيير لبنان، ولكن لا أريد للبنان أن يغيرني.
ما أصعب أن تكتب عن اللغة التي تشتبه فيها باللغة نفسها، لكن المحاولة ممكنة كمن يحاول أن يطفئ حريقاً ضخماً بإشعال حرائق صغيرة.
*ليا يبي. حرة: بلوغ الرشد عند نهاية التاريخ. ترجمة فرج الترهوني. دار الفرجاني للنشر والتوزيع.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»