Atwasat

حلم الوهم الكبير

فرج أبوخروبة الأربعاء 29 أكتوبر 2025, 03:46 مساء
فرج أبوخروبة

منذ البداية، كان الحلم الإسرائيلي أكبر من الواقع، يمتزج فيه الخيال بالأسطورة والسياسة. لم يعد مجرد حل لمسألة أوروبية، بل أصبح محاولة لإعادة كتابة التاريخ والهوية والمكان. شعرت حين قرأت عن هذا المشروع بأنني أمام حلم يهرب دائمًا إلى الأمام، كظلّ لا يمكن الإمساك به، أكبر من أي حدود أو حسابات ممكنة.

كل سطر في هذا المشروع يبدو وكأنه يُراد منه أن يعيد تشكيل الإدراك الجمعي، وأن يزرع في العقل فكرة أن الوجود هنا هو أكثر من مجرد وجود، بل رسالة تاريخية.

في قلب هذا الحلم تكمن ثنائية غريبة، ربما أعقد من أي محاولة لفهم العقل الجمعي: وعد ديني بأرض كنعان، يصفها النص الديني بوعد أبدي، مقابل رؤية قومية حديثة لدولة قوية، تسعى لترجمة هذا الوعد إلى واقع ملموس. إسرائيل لم تُبنَ كنتيجة تطور طبيعي، بل كإعادة تخيّل للتاريخ، كأن الذاكرة المختارة تصبح قالبًا يفرض الواقع، ويعيد ترتيب الأحداث كما لو أن الزمن نفسه قابل للتعديل.

عندها شعرت أن التاريخ يُعاد تشكيله أمام أعيننا، ونحن مجرد شهود على هذا الإبداع والضياع في الوقت ذاته، وعلينا أن نقرأ بين السطور لنفهم كيف يمكن لفكرة أن تصنع واقعًا، أو على الأقل وهمًا يبدو حقيقيًا.

يرى الإسرائيلي نفسه محاطًا بالعداء، لكنه مؤهل لتجاوزه. هذا المزج من الاضطهاد الأوروبي والقوة الإقليمية يولد شعورًا دائمًا بالتهديد مع إيمان داخلي بالتفوّق. وأنا أقرأ هذه الحقيقة، شعرت وكأنني أنظر في مرآة تكشف كيف يمكن للوعي الجمعي أن يعيش بين الضحية والمنتصر في آن واحد، دون أن يفقد صوابه. إن هذا الوعي الدفاعي المتفوق، الذي يختلط فيه القلق بالثقة، يجعل من الدولة آلة نفسية واجتماعية في آن واحد، حيث يصبح الخوف جزءًا من سياسة البقاء، والإيمان بالقدرة على التفوق جزءًا من فلسفة الوجود.

الأمن في إسرائيل ليس وظيفة عسكرية فقط، بل هو المبدأ الذي يُعرّف الدولة نفسها. كل شيء، من التعليم إلى الإعلام والاقتصاد، يخضع للشعور بالخطر المستمر. التفوق العسكري لا يزيل الخوف، بل يخلق دائرة مستمرة من القلق، كما لو أن كل انتصار يولد الحاجة إلى مواجهة تهديد جديد، حتى حين لا يكون هناك خطر حقيقي.

شعرت أن هذا يذكّرنا بكيفية اشتغال العقل الجمعي في المجتمعات التي تبني نفسها على فكرة الاستثناء: كل إنجاز يولد سؤالاً جديدًا، وكل قوة تصبح سببًا للقلق، وكأن المشروع نفسه حيّ، يتنفس، ويختبر العالم من خلال شعوره الدائم بعدم الأمان.

الدولة تقوم على فكرة الاستثناء، وكل إخفاق يُعاد تفسيره كسلوك مبرّر خارجي. الحلم لم يكن فقط جغرافيًا، بل حضاريًا ورمزيًا، يبحث عن الاستمرارية الأخلاقية. هذه الاستراتيجية تجعل كل إنجاز مؤقتًا، وكل انتصار يولد حاجة جديدة لإثبات الوجود، وكأن الطموح نفسه أصبح وحشًا لا يشبع أبدًا. هنا يمكن للقارئ أن يشعر بالازدواجية: القوة التي تمنح الحياة، لكنها تمنع الاستقرار، والطموح الذي يخلق الإنجاز لكنه يزرع القلق الدائم.

الشخصية الإسرائيلية اليوم تتأرجح بين النجاح المادي والقلق الوجودي. الانقسامات الدينية والعرقية والسياسية، والصراع بين الديمقراطية والهوية اليهودية، تجعل المشروع يعيش حالة توتر دائم. شعرت هنا وكأن الدولة نفسها مرآة تتصارع مع نفسها، غير قادرة على الاستقرار، رغم قوة المؤسسات واقتصاد متقدم. كل جيل يُعيد تشكيل وعيه حول الأسئلة نفسها: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟ وكيف نبقى؟ هذه الأسئلة لم تجد إجابة واحدة عند قيام الدولة، بل أصبحت محورًا دائمًا للوجود الإسرائيلي.

الحلم الإسرائيلي، كما صيغ منذ البداية، لم يكن مشروعًا للعيش المشترك، بل مشروعًا للسيطرة والتميز. القوة والتحكم أصبحت وسيلة للبقاء، لكنها تمنع الاكتمال. الحلم، الذي يضمن الوجود، يصبح في الوقت نفسه عبئًا على الذات. شعرت أن كل فرد يعيش هذا الواقع يعايش حياة مزدوجة: حياة يحقق فيها التفوق، وحياة أخرى يسكنها القلق من أن يكون التفوق مؤقتًا أو مهددًا.

الحلم مثل ظل هارب من الضوء، يُلاحق من قبل العقل لكنه يظل دائمًا أمامه. كل توسّع علمي أو تكنولوجي يعيد إنتاج الحاجة إلى إثبات وجود جديد، لأن الحلم الأصلي - تحقيق اليوتوبيا القومية الكاملة - يظل مستحيلًا في عالم متغير ومتعدد الهويات. ربما يكمن السر في أن الحلم ذاته لم يُصنع كي يُحقق، بل كي يستمر كوقود للهوية، كحالة دائمة من التوتر والمراقبة، كأن كل إنجاز مجرد خطوة نحو مواجهة التهديد القادم.

وفي المحصلة، يمكن القول إن «الوهم الكبير» ليس مجرد مشروع قومي، بل حالة ذهنية مستمرة يعيشها المجتمع الإسرائيلي كلحظة تأسيس دائمة. الحلم يمنح شعورًا بالتفرد والغاية، لكنه يحرم الدولة من الراحة أو الاكتمال. إنه تعبير عن مأزق حضاري أكثر منه عن طموح سياسي، محاولة لبناء يقين جماعي في عالم يتغير باستمرار، ولترسيخ معنى مطلق في واقع نسبي معقد. شعرت هنا أن هذا التوازن الهش بين التفوق والقلق هو ما يجعل المشروع فريدًا على المستوى الإنساني، حيث يتحول التاريخ والسياسة والهوية إلى تجربة وجودية متشابكة.

هكذا، يبقى «الوهم الكبير» المحرك الخفي للوعي الإسرائيلي، وقوة وجوده وضعفه في آن واحد. حلم يضمن البقاء لكنه يمنع الاكتمال، وأمام هذا التوتر المستمر، تظل الدولة حية، متفاعلة، لكنها حائرة في صراعها الدائم مع ذاتها ومع التاريخ الذي اختارت أن تعيد كتابته. كل لحظة من الوعي الجمعي تبدو وكأنها إعادة تأسيس للوجود، وكل نجاح يفتح باب تساؤل جديد، وكل تهديد وهمي أو حقيقي يعيد إنتاج الحاجة للحلم ذاته.

يمكننا أن نتأمل أيضًا أن الحلم لم يقتصر على الداخل فقط، بل امتد ليشمل علاقات إسرائيل مع العالم الخارجي. فالمشروع الذي بدأ كإجابة على ماضٍ من الاضطهاد أصبح معيارًا للتفاعل مع الآخرين: كل تحرك دولي، كل انتقاد، كل دعم سياسي يُقاس من خلال عدسة الاستثناء، ومن خلال ما إذا كان يعزز هذا الشعور بالوجود أو يهدده. هنا يمكن للقارئ أن يرى أن الحلم يتحول إلى مرجع أخلاقي وسياسي في آن واحد، يبرر، يهدد، ويوجه السياسات الداخلية والخارجية.

وإذا أخذنا هذا التأمل أعمق، يمكن القول إن الحلم الإسرائيلي يمثل نموذجًا لكيفية تحول الفكرة إلى منظومة متكاملة من الوعي والهوية والسياسة. إنه يطرح أسئلة فلسفية حول العلاقة بين القوة والخوف، بين التفرد والاستقرار، بين الذاكرة والواقع. في نهاية المطاف، نجد أن الحلم لا يتحقق، لكنه يظل حاضرًا، موجودًا، حيًّا، كما لو أن الدولة نفسها هي امتداد مباشر له، ونفسها مجسّد لمفهوم الاستثناء الدائم.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»