Atwasat

أمسيت ذاكرة!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 28 أكتوبر 2025, 03:30 مساء
أحمد الفيتوري

«رحلة الاستكشاف الحقيقية، لا تستلزم الذهاب لأراض جديدة، بل تستلزم الرؤية بعيون جديدة»
• مارسيل بروست
أعاني من ذاكرة جربوعية لها حفر كثيرة، بمثابة سلة شوك وقافزة عشوائية، اليوم أمسيت ذاكرة. عند النشء لم تكن تشدني كان يا ما كان، ولا حتى الألغاز لهذا لم أطالع ألف ليلة وليلة وما شابه إلا على كبر، ونادرًا ما طالعت قصة بوليسية، ولهذا لم ألتق أرسين لوبين وشيرلوك هولمز. إن كان النشء، على خلاف مع الفعل الناقص، فإن الشيخوخة فعل ناقص محض (كان). حاليا شغوف بـكان يا ما كان، المشكل أني أقبل ذلك بحكم العمر، الزمن القاسي والفظ، لكن ما لم أستسغ، أن الأجيال التي بعد جيلي تنتمي لما مضى فشعارها: الزمن الجميل، الشعار الأشهر!

1- تاجر البندقية كتاب كامل الكيلاني للأطفال، إعادة صياغة لمسرحية وليم شكسبير الشهيرة، فاجأني حين اطلعت عليه، وبث الشكوك في نفسي الطفولية، بأن جدتي ليست أمية وأنها مطالعة للكتب، لكنها تخفي الأمر عني لدواعٍ لا أعرفها. حين واجهتها بمكر الطفولة أني كشفت سرها، أخذت في التأكيد بقوة أنها ليست بقارئة، مستغربة شكوكي ومسبباتها، لما وضحت لها أن قصة التاجر اليهودي، التي حكتها لي أكثر من مرة وفي صيغ عدة، قرأتها في كتاب بالمركز الثقافي الليبي المحاذي لبيتها، وأن ما سردت بالحرف الواحد كما جاء في الكتاب.

هذه القصة جعلتني فيما بعد أكتشف أن مبتدأ الثقافة المشافهة، وأن التدوين لاحق، بل إن المشافهة ظلت من أسس تناقل المعارف، واليوم عبر الندوات والمحاضرات وأجهزة الميديا، التي سيدها التلفزيون، ما كان مؤخرا مصدرا رئيسا، إلى جانب السينما، في نقل الروايات والقصص مثلا، وفي هذا أخذ دور جدتي. جدتي كانت بطلة روايتي الأولى، وعن انتهاء دورها في تثقيف النشء، بل وعن انتهاء لطفولة وثقافة المشافهة التقليدية، روايتي «سريب» بطلها طفل وجدته التي يتلقى عنها الحكي، خلال عقد الستينيات من القرن الماضي.

2- كنتُ صبيا شغوفا بالقراءة، طالعتُ ما في مكتبة المدرسة، وكتب استعرتها من أصدقاء، وجلها في الأدب وخاصة المصري، وحين أمر على المكتبات والأكشاك التي تبيع الكتب تشدني كتب لكتاب ليبيين بعضهم من طالعت لهم مقالات أو قصصا بالجرائد. لكن ما لفت نظري كتب مكتوب على غلافها، أنها فازت في مسابقة اللجنة العليا للآداب والفنون الليبية لعام 1965م، منها ديوان (أشواق صغيرة) للشاعر على الرقيعي، والمجموعة القصصية (الجدار) ليوسف الشريف، وشدني الكتاب الحاصل على الجائزة الأولى، المجموعة القصصية (البحر لا ماء فيه) لأحمد إبراهيم الفقيه، ما لفت نظري عنوان المجموعة والمفارقة الظاهرة فيه، مما حيرني ولم أستوعب حينها أن ثمة بحرا لا ماء فيه.

لم أمتلك المال لقيمة الكتاب ذي الثمن البخس لأنه من طباعة الدولة، كنت أتردد على المركز الثقافي الليبي للمطالعة واستعارة الكتب، وأثناء البحث بالمركز عثرت على (البحر لا ماء فيه)، لكن شغف الصبي وشيطانه ألحا عليّ أن أسرق نسخة، لأحتفظ بهذا البحر في مكتبتي الصغيرة، ما كنت بصدد إنشائها. استعرت أشواق الرقيعي، ودسست تحتها بحر الفقيه، هممت بالخروج، لكن مدير المركز، الجالس على مكتبه نهض باتجاهي قبيل خروجي فارتبكت، مبتسما طلب منى الانتظار، مما خض حليب ركبي، ما أخذتا ترتعشان، اتجه إلى الداخل حيث رفوف القصص والروايات بالمكتبة، سحب كتابا، جاء عندي، منحني النسخة التي سحب وهو يبتسم مداعبا رأسي قائلا: هذه قصص يوسف الشريف (الجدار) هدية منى، احتفظ بها علّ تكون لك مكتبتك الخاصة، ثم أعطاني بالظهر مكملا كلامه: كلما أعجبك كتابا نادرا وينفع لمكتبتك اطلبه مني.

لم يخيب أحمد إبراهيم الفقيه القاص شغفي، الذي توكد منذ اطلاعي الأول ذاك على مجموعته الأولى، بل بعد سنتين عله من مُحفزي للذهاب إلى الصحراء، للعمل كطالب أثناء العطلة المدرسية السنوسية، ولأخوض في (البحر الذي لا ماء فيه)، ثم طالعت (اربطوا أحزمة المقاعد) المجموعة الثانية، أما مجموعته الثالثة (واختفت النجوم) فأعدها من القصص القصيرة التي لا شبيه لها، ففيها تبين المقدرة المميزة عنده في كتابة القصة القصيرة، من حيث جماليات الدلالة، فالشعرية التي توحي بها الموضوعة قبل اللغة، ومن ذا فإنه كاتب قصة قصيرة قل نظيره.

3- كنتُ في مهمةٍ صحفية، نهاية العام الثامن والسبعين من القرن المنصرم، رفقة الشاعر أحمد الحريري، تاه سائق «الكروزر» العسكري العنيد عن زلة، بعد أن تخلى عنا آل الفُقها: واحة أحفاد الرسول كما يقولون، تصوروا أننا سندعو لتنفيذ قرارات الدولة الخاصة بترحيلهم لمنطقة أخرى، تتمكن فيها الدولة من توفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء، لكن كيف لهم ترك موطن أجدادهم من آل البيت، الذين هجوا من مذبحة الدولة الأموية، هم من نجا من الفتنة الكبرى، مقتلة المسلمين الأشهر.

هكذا لم يرافقنا دليل صحراوي. في جبل الهروج البركاني الأسود الذي سطحه أشجار متحجرة، وفي وديانه صدف بحري، وهياكل عظمية سمكية، بين غابات حجرية وبحيرة، تيبست عروقها، ضعنا بعد إغواء قطيع غزلان لنا بمطاردتهِ. المطاردة التي لم يوقف سائقنا العنيد عنها، غير مشهد هيكل جمل في حالة قعود، رقبته ممدودة يستنشق الموت من جفاف التراب. غير بعيد من المشهد الأول، طلع علينا من ثنايا الهروج المشهد التالي: جثة سيارة «راندروفر» أكلها الجفاف دون داء، عرفنا أنها سيارة زملاء لنا، كانوا قد غرقوا في بحر الرمال هذا، مطلع الستينيات من القرن العشريني. أرهبتنا مشاهد متتالية ففقدنا الرشد، بالمصادفة المحض، بحب الحياة، بتاريخ أجدادنا في حربهم ضد قبيلة القبلي ربة الجفاف، تمكنا من زلة التي غادرها كل ذكرٍ قادر في قافلة البحث عن الضائعين نحن، لم نجد غير عجوز أسود قبسُ مضحكهِ في الظلمة دليلٌ ساطع عن النجاة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»