Atwasat

الخط هندسة روحانية

سالم العوكلي الثلاثاء 21 أكتوبر 2025, 03:24 مساء
سالم العوكلي

في إحدى حلقات برنامج (Where the wild man are) الذي يُبث في قناة بي بي سي إيرث، يذهب مُعدُّه ومُقدمه، بِن فوغل، إلى شخص قرر العيش في الغابة بعيدًا عن كوابيس المال والحضارة. كان موظفاً كبيراً في إحدى الشركات المالية، وغالباً ما كان ــ في جلساته مع أصدقائه ــ يتذمر من فكرة المال أو النقود، ومرة قال له أحد رفاقه: إذن لماذا لا تحاول أن تعيش بلا مال؟

ورغم سؤال رفيقه الذي لا يخلو من استهزاء بالفكرة التي تبدو مستحيلة، إلا أن الفكرة انطبعت في رأسه، وقرر بعد فترة أن يخوض هذه التجربة. استقال من وظيفته وعاش متسكعاً لعامين دون أن يستخدم النقود، ومن هذه التجربة كتب كتابه The Moneyless Man (رجل بلا مال)، وحين نُشر الكتاب حقق مبيعات رائجة يبدو من خلالها أن كابوس المال يشكل قلقاً للكثيرين، ومن إيراد هذا الكتاب من نقودٍ ــ كان أصلاً يكتب عن ازدرائها ــ اشترى مارك بويل أرضاً في غابة نائية، وبنى عليها كوخاً صغيراً، ومع الوقت تحول إلى كاتب مهم تدر كتبه أرباحاً يتبرع بها كلها لأنه قرر أن يعيش دون مال ودون تقنية، لكن ما يعنيني في هذا السياق، تحاشيه لاستخدام التقنية وحرصه على أن يكتب كتبه بخط يده ويرسلها عبر البريد العادي لدار النشر التي يتعامل معها، ما اضطُره لأن يخط نسختين من كل مخطوط خوفًا أن تضيع النسخة المرسلة، وحين رأى الدهشة في عيون فوغل وهو يحدثه عن تجربته في الكتابة، سأله: هل لديك أبناء؟ ومن خلال إجابة فوغل اقترح عليه أن يبعث لابنته اليافعة رسالة بخط يده، وأن ساعي البريد يمر دوماً من قرية قريبة سيرسلها ويستقبل الرد عن طريقه، وهذا ما فعله بن فوغل الذي ارتبك، ويبدو أنه لفترة طويلة كان يستخدم الكي بورد ولا يكتب بالقلم، وبعد أربعة أيام جاء الرد من ابنته في رسالة بخط يدها، فنزلت دموع بن فوغل وهو يقرأها، لأنه لأول مرة يرى خط ابنته الذي وصفه بأنه ناعم وجميل، واشتد حنينه لها وكأنه شم عطرها أو رأى صورتها عبر ما خطته أو رسمته يدها من كلمات رقيقة تفوح بعطرها.

تحصلت في حياتي على جهازي لابتوب، أحدهما اشتراه لي الصديق أحمد الفيتوري إبان عملي معه في جريدة ميادين، ومع الوقت هاجمته الفيروسات وأصبح بطيئاً، فحصلت على الجهاز الثاني من الصديق نجيب الحصادي. اللابتوب الأول غرق في إعصار دانيال حين وضعته من أجل صيانته في مقر (تاسيلي للفنون البصرية) وأصبح الحصول على محتواه من عمل سنين متعذراً، أما الثاني فتعطل فجأة، وعجز التقني عن إصلاحه أو حتى عن استخراج أرشيفي المُخزّن في أقراصه الصلبة. المهم في هذه الفترة اضطررت لأن أعود للكتابة بالقلم على أوراق، ولأني من فترة طويلة كنت أستخدم الكيبورد مباشرة في الكتابة، ارتبكت علاقتي بخط يدي، وأصبحت أجد صعوبة في قراءة ما خطته يدي، وكأنه مكتوب بخط شخص آخر، وأحسست لحظتها كأني فقدت جزءاً مهماً من هويتي، وكأن الكتابة لسنوات على الكيبورد كانت عيشاً في منفى جعلتني العودة منه صعب التعرف على مكان نشأتي.

درستُ المرحلة الثانوية في مدرسة (الشهيد فرج بوحويش) المختلطة في بلدة القبة، ولأن خطي كما كان يقول المحيطون بي جميل، كانت كل مرة تطلب مني إحدى الطالبات في فصلي أن أكتب لها الدرس في كراسة تلخيصها، وكنت أمام هذه الرغبة الأنثوية أزداد تفنناً في الكتابة مثلما يتباهى طاووس مثار بألوان ريشه، لكن ما كان يحدث أنه في نهاية العام أكتشف أن لا كراسات تلخيص للمنهج لدي، فأضطر لمشاركة صديق من الفصل أو القراءة من الكتب المنهجية مباشرة، وتطير تلك السكرة حين تأتي الفكرة في الامتحانات النهائية، ورغم ذلك كنت أنجح كما يفعل أي مغامر يحاول أن يتجنب الندم في ذروة استمتاعه بتلبية رغبة أنثى.

إبان سنِي مراهقتي في القرية، كان الأصدقاء يطلبون مني أن أخط الرسائل إلى حبيباتهم، وكنت أفعل بسرور وبحرص أيضاً على أن أستعرض كل مهارتي في الخط، ولا بأس من بعض الرسوم لعيون باكية أو قلوب ملونة مطعونة بسهام كيوبيد. وكان رفاقي يرون في الخط إحدى تقنيات نيل إعجاب الحبيبة والتشبث بها، إضافة إلى كمائن الحب المتمثلة في ملابس تلك المرحلة التي قلد بها جيلي أو معظمه هندام فرقة البيتلز الليفربولية، من عتق الشعر بشكل فوضوي، وانتعال أحذية عالية الكعب، إلى آخر الاستعراضات التي تفرضها الطبيعة بين الجنسين كما يحدث في استعراضات كل الكائنات الحية على وجه الأرض لإثارة الأنثى، ويبدو أن الهدف الغريزي الذي يتشارك فيه الإنسان مع كل الكائنات الخرساء أو شبه الخرساء هو الحفاظ على النوع، وتحسين النسل عبر التنافس في عرض المهارات.

وبسبب تقنيات الإثارة هذه تضيق الآن الأرض بسكانها الذين وصلوا إلى أكثر من 8 مليارات نسمة، وإذا ما استثنينا من ولِدوا عبر التلقيح الصناعي في أنابيب المختبرات، فإن وراء هؤلاء البشر مليارات من تقنيات الفتنة ومن حالات النشوة، وهي الغريزة الحاثة على البقاء التي تحاول بعض الأيديولوجيات التطهرية تدميرها أو وضعها في خانة (الحرام)، وأعني هنا أن عرض المفاتن غريزة وضعها الخالق في كل كائناته بما فيها الإنسان من أجل البقاء، وكل ما فعله الإنسان محاولة تهذيبه لهذا الحوار الجسدي بين نوعي البشرية.

يقول نيتشه «اجتثاث الغرائز من جذورها اجتثاثٌ للحياة من جذورها» بينما المتهكم الكبير، الفيلسوف إميل سيوران، يقول: «من أجل نشوة لا تتعدى 9 ثوانٍ يولد إنسان يشقى 70 عاماً».. وربما خطرت عليه هذه الخاطرة حين كان شقياً عمره 70 عاماً. وقد تخطر على الكثيرين ممن غادروا مثلي سحر هذه النشوة ولم يبقَ إلى شقائها.

يتكاثر البشر بشكل جنوني، خصوصاً في المجتمعات التي ما زالت الغرائز تتحكم في آليات تكاثرها البدائية، أو تلك التي تحرم الإجهاض وتحديد النسل، بينما بعض الكائنات التي زحف الإنسان على بيئة دفاعها عن النوع ذاهبة إلى الانقراض حين فقدت مواطن استعراضها لمفاتنها. هذا الإيقاع الجنسي الكوني كان الثيمة الأساسية لكتابي (بنات الغابة) الذي ألَّفتُه بخط يدي قبل أن أتعرف على الكيبورد، واعتبرته نصاً نثرياً مفتوحاً بعنوان جانبي «سيرة النص والجسد» لكن مع إعادة طباعته في دار المدى ببيروت أصر الناشر على وضع تجنيس (رواية) على غلافه، وما زلت أصر على أنه نص مفتوح وإن كان تداخل الشخصيات من سيرة حياتي الجسدية في قالب شعري سردي تأملي تقنيته الرئيسة ما أغرى الناشر بهذا التجنيس.

والمقصود ببنات الغابة أولئك الفتيات البريات الجامحات اللائي لا يعنيهن جمال خط أو تنميق أسلوب أمام جموح الحياة البرية، وطبعاً دون أن يخلو الأمر من توسل الفن الشفاهي الناجي من منغصات الخط كطريقة للانتخاب الطبيعي، ليصبح أداتهن في استعراض المفاتن المتبادل في الحوار الشعبي المسمى (صوب خليل) حيث تلتقي فيه بنات النجع مع شبانه للتبارز بالشعر وبالألغاز المعقدة، وكما ذكرت في كتابي فإنه إذا كانت بعض الكائنات تستخدم في الانتخاب الطبيعي القوة، أو الصوت، أو الألوان، أو الضوء، أو الرائحة، فإن في «صوب خليل» يبدو أن الذكاء هو الهدف الأسمى للانتخاب الطبيعي عند البشر، وربما سيختفي هذا الباعث للفتنة مع دخول الذكاء الاصطناعي، بل إن بعض الفتيات الآن اخترن عشاقهن من الروبوتات الذكية المطيعة والحانّة، يدردشن معهم طوال الوقت بما يشبه صوب خليل رقمي، ومن فترة مر بي خبر عن فتاة عربية عقدت قرانها في العالم الافتراضي على روبوت، بعد أن أصبح معشوقها الذي يعبر عن كل اختلاجاتها وفق معرفته الواسعة بقاعدة بياناتها من ميول ورغبات وأحلام، وهذا ما لن يستطيع عاشق غبي معرفته غالباً.

لكن الشعور الذي أسال دموع بن فوغل حين رأى خط يد ابنته للمرة الأولى، سيظل يلاحقنا، بما يشكله من حنين شامل إلى هوية الإنسان وحريته المهددة بجنون الآلة، وكل حنين إلى طفولتنا الخاصة يصب في حنين كوني إلى طفولة البشرية، وذا لب فكرة برنامج فوغل الذي يلاحق من اختاروا الحياة البرية البدائية في كل قارات العالم لينعموا بالحرية.
حين كنت أخط رسائل أصدقائي لحبيباتهم، كنت أحس في تلك اللحظة أن جميعهن حبيباتي، وأن غزل بعضهن في خط الرسائل وردودهن الناعمة كانت موجهة إلي شخصياً، واستمتعت بتلك العلاقات (الافتراضية) قبل أن يهجم علينا الواقع الافتراضي بعقود، إلى أن انكشفت اللعبة حين اكتشفَتْ بعض المراهقات اللائي يدرسن في فصل واحد مدى التشابه بين رسائل عشاقهن في الخط وفي التعبيرات. فهل كنت شريراً أم مجرد مراهق قروي استثمر بمرح في إحدى مواهبه؟ أو كما قال ابن طالب: حُسن الخط من مفاتيح الرزق. والآن وأنا أعود للكتابة بقلم جاف على الورق ما عدت أعرف خط يدي الذي فقد جماله ورشاقته كراقصة باليه هرمة أصبحت تتعثر في خطواتها. وصدق ياقوت المستعصمي إذ قال: «الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية تقوى بالإدمان وتضعف بالترك».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»