Atwasat

الذين زرعوا الورد في البحر

محمد عقيلة العمامي الإثنين 20 أكتوبر 2025, 01:57 مساء
محمد عقيلة العمامي

في أواخر ستينيات القرن الماضي، ونتيجة انتقاء مسئول شريف لي لمنصب تشرف به، وهو الأستاذ الدكتور منصور محمد الكيخيا، تشرفت بتكليفي بمهمة لم تكن في الحسبان، وهي انتقائي كعضو في مهمة طلابية، عالمية، إلى أمريكا، سبق أن حدثتكم عنها من قبل.

وعند عودتي، عبر بريطانيا، تهيأت ظروف، فالتحقت بمعهد في مدينة «برايتون» ينظم دورات صيفية، لتقوية اللغة الإنجليزية، وكنت في الواقع أتطلع إلى هذه الفرصة، خصوصا بعدما نصحني بها أحد أساتذة قسم اللغة الإنجليزية الذي التحقت به في كلية الآداب، ومما سهل الأمر إقامة صديقي المرحوم خليفة الفاخري هناك، حيث رحب بود حقيقي بالإقامة معه هناك، ناهيك عن أن مكافأة مصاريف الإقامة بأمريكا كانت مجزية، مما ساعد كثيرا في إقامتي.

وقد تخلقت علاقة ود بيني وبين طالبة من مدينة «روتردام»، وهي التي أفهمتني علاقة كلمة «دام» Dam، التي تعد جزءا من أسماء معظم المدن الهولندية! حينها لم أكن أعرف عن هولندا سوى أنها مشهورة بالحليب والزبد والجبن، وأيضا بتلك البقرة الفخمة الضخمة المتميزة بلونيها الأسود والأبيض!

كلمة «دام» Dam تعني السد، وعلاقة كلمة السد وثيقة بأسماء عدد من مدن هولندا، خصوصا موانيها، إذ إن أغلب المدن الهولندية لها سد هو أساس قيامها. وفسرت لي تلك الفتاة، التي أصبحت صديقتي، كيف أن الهولنديين هم من يصنعون أراضيهم، وبالتالي مدنهم! فتلك الأرض الخضراء التي يشاهدها القادمون إلى هولندا من خلال شبابيك الطائرة هي صناعة هولندية كاملة، وهي لم تكن أساسا خضراء! وإنما قطعة شاسعة انتزعها الهولنديون من البحر! وصنعوا فوقها مقاطعة جديدة، ضمتها هولندا إليها من البحر، واسمتها «فليفولاند»، وأصبحت مفخرة لهم، لأنهم انتزعوها من البحر، وزرعوها وأصبحت خضراء، ومنها تصدر ورود هولندا إلى العالم على أرفف طائرات فوق مقاعد الدرجة الأولى مباشرة!! فمن لا يعرف ورود هولندا!؟

وما زلت أذكر ما شرحته لي صديقتي «روز» الهولندية، واسمها هذا يعني وردة كتلك التي زرعها الهولنديون في المقاطعة التي انتزعوها من البحر، واسموها «فليفولاند»! وأذكر عينيها الجميلتين اللتين كانتا تلمعان زهوا عندما تحدثني عن هذه الولاية التي استصلحوها وزرعوها ورودا وأزهارا!!

أما كيف انتزعوا هذه الأرض من البحر؟ فيقولون لك متبسمين: «ما عليك إلاّ أن تبني سدا أرضيا في المنطقة الضحلة ببُعد مناسب من الساحل، بحيث تحجز جزءا من البحر، ثم تسحب المياه المحصورة وتُلقيها خارج السد. وبعد أن تجف الأرض، تُترك لمياه الأمطار فترة لتغسلها من الأملاح التي خلفتها مياه البحر، ويُنتظر سنوات حتى تنظف الأرض من الأملاح، ثم تبدأ في زراعتها»!

لقد أصبحت الآن «فليفولاند» مقاطعة، وعاصمتها «ليلشتادت»، بمنازل ومدارس ومستشفيات، وهكذا تكاثرت المدن التي استقطعوها من البحر، وهكذا يكون الكثير من أنحاء هولندا يقع تحت مستوى سطح البحر بنحو 15 قدما، وهو ما يجعل «هولندا» تعني الأرض المنخفضة عن سطح البحر. أما لماذا يرتدي الفلاحون الهولنديون الأحذية الخشبية؟ فسبب ذلك أن الأرض تظل مبتلة دائما، والأحذية الخشبية تمنع وصول البلل إلى الأقدام!

والشيء اللافت للنظر هو قنوات في الشوارع الفرعية والرئيسية تنساب فيها المياه نحو البحر. وبقي الكثير مما عرفته من صديقتي «روز»، التي بالتأكيد صارت جدة، ولا بد أنها ما زالت تتباهى بإتقانها طهى المعكرونة الجارية (الحارة) الصباحية، وتعرف الفرق بينها وبين المعكرونة «المبكبكة» الطرابلسية، والوقت المناسب لتناول أي من الطبقين!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»