Atwasat

بصر وبصيرة

منصور بوشناف الخميس 09 أكتوبر 2025, 06:20 مساء
منصور بوشناف

وكما يقول «برتولد بريشت» أنا كاتب مسرحيات جئت العالم في زمن الفوضى، التحقت بالمسرح المدرسي وأنا ابن العشر سنوات ولم انقطع عن المسرح منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، لذا ظللت أرى العالم عبر المسرح وابني رؤاي للعالم بالمسرح، وغالبية قراءاتي الأولى كانت مسرحية وتعلمت من المسرح سردية الأصوات المتعددة لا مونولوج الصوت الواحد، فالسارد المسرحي يتوزع في أصوات كثيرة، وانا كاتب مسرحيات وحتى حين اكتب الرواية، فإن «راوي» بريشت لا يتوقف في روايتي عن الاعتراض والتعليق وكسر الإيهام بالواقع، ولقد ظللت أطمح لكتابة «مسرواية» كـ«فاوست» لغوته و«العودة إلى متوشالح» لبرنارد شو وحتى «عودة ستيفان ديدالوس» لجيمس جويس، أنا كاتب مسرحيات والمسرح الليبي في غرفة الإنعاش الآن، على وشك الموت، إن لم نلتفت إليه، هو بكل أسف لا يدخل في اهتمامات الحكومات المتعاقبة ككل شيء يخص الثقافة، فبعد فبراير توقف كل شيء ثقافي «فلا صوت يعلو فوق صوت الرصاص» والتقدم والنهضة في مخططات رجال السياسة والاقتصاد الليبيين لا تشمل الثقافة ولا تأخذ أي شبر في برامجهم، إنها ليست إلا الثرثرة في «التوك شو» التي يقودها مهرجون يسمونهم «محللين سياسيين»، الثقافة ككتاب أو مسرح أو سينما أو فنون تشكيلية لا يلقون لها بالا ويرونها مظاهر تفاهة وانحلال.

ما ينقص الثقافة الليبية الآن هو المناخ الثقافي الحر، منح الناس والمثقفين خاصة الحق والبراح للتعبير عن رؤاهم وآرائهم والحد من سطوة الرقابات المتعددة والمتناقضة على الإنتاج الثقافي، كنا في عصر الفاتح نتصارع مع رقابة واحدة الآن نحن نصارع رقابات متعددة ومتناقضة أحيانا.
البنية التحتية للثقافة كالمسارح وقاعات العرض والمطابع وإقامة المعارض والمهرجانات الثقافية ودعم الفرق المسرحية والإنتاج السينمائي والفنون الشعبية والتشكيلية ودعم دور النشر وشركات الإنتاج الخاصة والعامة، إننا وبكل أسف وبعد نصف قرن من التجريف الثقافي بحاجة للتأسيس من جديد.
المبهج رغم كل شيء بعد ثورة فبراير فيما يخص الثقافة الليبية هو ظهور أصوات شابة وجديدة في الشعر والقصة والرواية والأغنية والفنون التشكيلية والمسرح والدراما والسينما مجتهدة وواثقة ومؤمنة بمستقبل أفضل وتحقق على الرغم من كل الظروف والمعوقات منجزات ثقافية رائعة، إنهم الربيع الحقيقي الذي بدأت زهوره في التفتح وندعو الله ألا يتم قطافها.

حين وقف الإسكندر المقدوني أمام ديوجين حاجبا عنه نور الشمس وقال له كأي جنرال شعبوي «هل من خدمة نقدمها لك أيها العجوز؟ إجابة ديوجين «خلي بيني وبين الشمس، تلك حاجتي إليك».

تلك كلمة الثقافة في ليبيا لكل هؤلاء الشعبويين أعداء الكتب والغناء والرقص، أعداء الثقافة والحياة وتلك كلمة المسرح.

في دورة المهرجان الوطني للمسرح العام الماضي، وفي دورات الزاهرة للمسرح بدرنة ودورات المسرح الشعبي ببنغازي والمسرح الكوميدي ومونودراما البيضاء، تحول المسرحيون إلى فرق إسعاف ميداني وتحولت المسارح المتهالكة لمستشفيات ميدانية لإنقاذ المسرح، وضخ الحياة في فرقه الممزقة، كان المسرح يئن مثقلا بجراح وطن يتمزق، وكان الكاتب والمخرج والممثل يصارعون من تحت أنقاض مسرح وبلاد، يزيحون الركام عن وجهه المسرح كي يرى ويتنفس، كان السياسيون والمسلحون قد خلوا بينه وبين الركام للحظات فتنفس.

في دورته التي ستنطلق في الأيام القريبة المقبلة، ستدب الحياة بشكل أقوى وبإصرار أكبر على البقاء والاستمرار، سيعلن المسرح عن وجوده الليبي، كي يغادر غرف الإنعاش إلى ميادين الحياة، ليشارك ويقود حوارنا الاجتماعي الذي انقطع لعقود طويلة، ليخفت منولوج الصوت الواحد، صوت الرصاص والتعصب، كتاب ومخرجون وممثلون وفنيون سيعلنون وكما أعلن «بريخت»:
«نحن فرق المسرح، جئنا البلاد زمن الفوضى وكان السلاح يحكم، وجدنا البلاد تحت ركام الحروب، جئنا لنبني، بلادا مسرحا للحياة من ركام الخراب، فخلوا بيننا وبين الشمس».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»