أطلق ماركس وإنجلز فرضية بسيطة وقوية معا، تقول إن التناقض الطبقي في قلب الرأسمالية سيحتد حتى ينفجر في ثورة، وبالتالي توقعا أن يحدث التحول الكبير (ثورة البروليتاريا) في المراكز الصناعية، حيث يتكدس العمل المأجور ويشتد الاستغلال، ومن هنا كانت «نظرية المركز».
لكن الوقائع ذهبت في اتجاه مختلف. الثورة البلشفية وقعت في روسيا الزراعية الطرفية لا في مركز أوروبا الرأسمالية، وتكررت الظاهرة مع الصين وكوبا.
الدرس هنا أن التوتر وحده لا يكفي، بل يلزم ضعف في الدولة، وقدرة تنظيمية بديلة، وثغرات ثقافية تسمح بتعبئة الناس خارج روتين حياتهم، وهنا نهضت «نظرية الهامش».
بعد ماركس وصديقه، جاء الإيطالي غرامشي ليقدّم تداركا مهما لهذه الخيبة، إذ قال إن الصراع ليس اقتصاديا محضا، بل هو صراع على الهيمنة.
وشرح: «بهذا التعديل نفهم لماذا يحدث التغيير حيث تضعف شرعية الدولة وتختل هيمنة النخب أكثر مما يحدث، حيث يكون الاستغلال الاقتصادي أشد فقط».
من هذه الزاوية نفهم أيضا لماذا يصل إلى السلطة أشخاص من الهامش، لا من قلب الكتل الكبرى.
حين تتعادل القوى، ولا يقدر أحد على الحسم، تبحث النخب عن شخص لا يخيف أحدا. الأقل تهديدا يصبح الأكثر قبولا.
ليست مسألة أخلاق، بل ميكانيزم توازن. هذا ما نسميه «منطق التسوية الهامشية»، وهو ليس شعارا، بل نتيجة لبنية قوة متقاربة تخشى الغلبة.
ليبيا - مثلا - تقدم أمثلة واضحة، الملك إدريس قاد برقة - ثم ليبيا - من خارج منطق المغالبة القبلية والجهوية. معمر القذافي لم تكن قبيلته ضمن الأقوياء، ثم مصطفى عبد الجليل كذلك، لكنه بدا وجها توافقيا بعد سقوط جهاز «الهيمنة».
قل هذا عن عبد الرحيم الكيب كطرابلسي مهني تكنوقراطي، بعيد عن الميليشيات الضخمة (الشرق - مصراتة - الزنتان) آنذاك، فجاء جسراً بين أطراف كثيرة.
علي زيدان القادم من ودان، وعبد الله الثني القادم من غدامس، كلهم حملوا صفة الطرفية المُطمِئنة.
ثم فائز السراج كان تكنوقراطيا - مجهولا لحد بعيد - غير مصادم، اُستخدم كقناة بين ضغوط خارجية وانقسامات داخلية. القاسم المشترك بينهم أنهم طمأنوا المتنافسين، ولم يلوحوا بانتصار طرف على آخر. فهل هذا صدفة؟ أليست الصدفة تُلغى حين تتكرر؟
ولنمض أكثر وأقرب، ألم تكن قائمة «الدبيبة/المنفي» أقل تهديدًا للفاعلين المتنازعين يومها، واستطاعت جمع أصوات متقاطعة من الأقاليم الثلاثة في مقابل ثلاثي السياسة والسلاح والقيادة (عقيلة - باشاغا - جويلي = برقة - مصراتة - الزنتان)، وفازت دون مستند سلاح ولا سلطة، وهو ما سهّل قبولا داخليا وخارجيا كـ«حل منخفض الكلفة» للمرحلة الانتقالية.
ليس في ليبيا وحدها يظهر هذا النمط، بل نجده في مصر أيضا، ولكن بوجه مختلف. أغلب الرؤساء جاءوا من المنوفية! المحافظة ليست مركز القوة السياسية أو الاقتصادية قياسا بالقاهرة والإسكندرية، ولا تمثل كتلة صلبة في «الصعيد». لكنها قريبة من المركز البيروقراطي، ومُحملة بصورة اجتماعية مطمئنة للأجهزة. بعد «السادات» صار القبول التالي أسهل. تكرار النمط ليس لفرط قوة المنوفية، بل لأنها لا تهدد مراكز القوة.
وحتى في الديمقراطيات الغربية يمكن أن نلمس الأثر نفسه، كما في تجربة ألمانيا مع ميركل ومفهوم «التسوية الهامشية». أنجيلا ميركل جاءت من الشرق المهمش، ومن خارج بارونات حزبها التقليديين. بدت أولا مرشحة غير مخيفة، ثم تحولت بمرور الوقت إلى وسيط موثوق بين أجنحة متنافسة داخل الحزب، وداخل الائتلافات. قوتها بدأت من كونها أقل تهديدا، ثم رست على شرعية أداء طويلة.
الخلاصة النظرية العملية أن مقولة «كلما زاد التوتر زادت فرص التغيير» ليست صائبة على إطلاقها.
إذا غاب التنظيم والهيمنة الثقافية البديلة، فيتحول التوتر إلى تسوية لا إلى قطيعة. وحين تتعادل الكتل تنتج المنظومة قادة من الهامش، لضبط الميزان.
أما إذا توافرت أدوات التنظيم ورأس المال الثقافي، كما لمح غرامشي، فقد تقع القطيعة حتى في الأطراف حيث تصدع الشرعية أكبر.
بهذه العدسة نفهم روسيا البلشفية كما نفهم ليبيا ومصر وألمانيا اليوم بلغة بسيطة ومعادلة واحدة، تقول: «التغيير يحتاج أداة وهيمنة، ولا يكفيه الغضب، والحكم في لحظات التعادل يذهب لمن لا يخيف أحدا، قبل أن يثبت كفاءته لمنفعة الجميع».
وإذا رسمنا ملامح «الرئيس أو المتوج» الليبي المقبل وفق هذا المنطق فسنجد صورة بسيطة: شخص من خلفية غير ثقيلة قبليا أو ميليشياويا، سيرته بعيدة عن الاستقطاب، لديه خبرة إدارية، وقد ينتمي للتكنوقراط، ومن غير ثقل جهوي أو مناطقي، لذا يقول البعض: «الرئيس القادم من الوجوه غير المعروفة».
والأمر هنا ينحصر في «الطمأنة» لا «الكفاءة» بالضرورة، إذ يعرف كيف يصل بين الخصوم أكثر مما يعرف كيف يحشد جمهورا ضدهم!
في السياسة والاجتماع لا يمكن رسم حدود رياضية صارمة، وهنا كأنني أهملت العامل الخارجي - ولو قليلا - كما وقد يشاغب نموذج لبنان مثلا على ما تقدم ربما، لذا قد يُطرح السؤال بتواضع أكثر، وبعض الشك.
ليبقَ السؤال مفتوحاً: هل يحسم المشهد بالبراغماتية والتسويات الهامشية، أم ستفرض الغلبة قانونها؟ بين منطق البنية ومنطق الصراع رئيسنا القادم «المزعوم» هو اختبار جديد لهذه المعادلة.. وسنرى!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات