منظمة الأمم المتحدة التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية من أجل إيقاف الحروب، أو على الأقل الحول دون ارتكاب جرائم حرب خلالها، تتحول تصريحاتها الآن وإداناتها إلى ما يشبه تصريحات ودعاوى بابا الفاتيكان: تمنيات غير ملزمة، ولا تُغير من واقع الأمر شيئاً.
توقع الكثير من المحللين والدارسين تداعيات عالمية لما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كحدث فاصل في النظام العالمي الذي أُرسي بعد نهاية الحرب الثانية، ثم تحويراته ما بعد سقوط المعسكر الشرقي وجدار برلين، وأصبحت هيمنة القطب الواحد مؤشر تبدل جذري في كل القيم التي بشر بها نظام ما بعد الحرب.
غير أن الظاهرة الخطيرة التي نشهد نتائجها الآن في عالم أخرس حيال جرائم الحرب في فلسطين التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، وهي ما تسمى الآن الظاهرة الترامبية، حيث تُعتبر حكومة اليمين الصهيونية المتطرفة إحدى أعراضها، وما فعلته الظاهرة الترامبية أنها أججت المكبوت العنصري في أرجاء الأرض بكل مكابيته من كراهية وعنف، وأنعشت صراحة ترامب وجهرُه بهذا النوع من الكراهية خلال خطاباته المرتجلة هذا المسكوت عنه في كل مكان، وجعل من الكراهية والعنصرية ومبدأ تقييم الإنسان من خلال الصفقات أيديولوجيا شفهية تهيمن الآن في عديد الدول الغربية، وتتقدم تدريجيا نحو قيادتها؛ حتى في الدول التي قطعت أشواطاً في الممارسة الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.
تعتقل الشرطة البريطانية أكثر من 400 شخص في وسط لندن شاركوا في مظاهرة صامتة تحمل لافتات تعارض حرب الإبادة في فلسطين، وهي أكبر حملة اعتقالات في يوم واحد في تاريخ بريطانيا الحديث، فالظاهرة الصهيونية اليمينية لا تقوض السلام في المنطقة فقط لكنها تقوِّض وتفضح أعتى ديمقراطيات الغرب.
يقال إن الحرب فكرة تدور على مستوى العالم في رؤوس رجال لا يتجاوز عددهم المئة، لكن الملايين هم من يدفعون ثمنها، سواء أكانوا مجندين إجبارياً أو مدنيين، وما يحدث الآن في غزة كان فكرة تدور في رؤوس لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وماعوز، ولأن فكرة إبادة شعب على أرضه كانت مخجلة، ويُعبر عنها بالرموز، ومواربة في زمن كانت موضة العالم الغربي الجديد هي الحقوق والسلام بعد خوضه لحروب ضارية خلال القرن العشرين، إلا أن الظاهرة الترامبية المتطرفة؛ التي تعلن عنصريتها على الملأ ودون مواربة، شجعت هذه المكابيت المخجلة لأن تظهر على السطح، ولأن تعمل في الواقع، ويُصدح بها علانية، وتصبح الوحشية محل اختلاف فقط وليست محل إدانة أو اتهام أو عقاب.
وتناغما مع هذا التحول سيغير ترامب اسم (وزارة الدفاع) إلى (وزارة حرب) دون أن يفقد الأمل في حصوله على جائزة نوبل للسلام (استمرت تسمية وزارة الحرب مائة وخمسين عاماً، ولم تُغير إلى (وزارة دفاع) إلى بعد الحرب العالمية الثانية) والآن يجري إحياء تراثها الدموي من جديد عبر الظاهرة الترامبية، وفي الأحوال جميعها؛ فإن ترامب بهذا الإجراء لم يأت بجديد، وكل ما فعله أنْ كشف الغطاء عن عورات السياسة الأميركية، والإفصاح عن حقيقتها بعد نزع كل المكياج الدبلوماسي والأقنعة الدعائية عنها، وإن الـ«بنتاغون» كان دائما وزارة حروب تتجول فوق الأرض على الرغم من اللافتة الخادعة التي تربطه بالدفاع.
فالولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية خاضت كل حروبها الشرسة التي قتلت من خلالها الملايين على بعد آلاف الأميال عن حدودها، ولم يكن جيشها يوماً دفاعياً، أو من أجل حماية الحدود، ودائماً كانت تصنع الذريعة أو الأكذوبة لهذا التسكع بأساطيلها في العالم وقتل الملايين، كما تفعل إسرائيل الآن بذرائع وأكاذيب عدة، وهدف هذه الأكاذيب تهيئة الرأي العام المحلي وإقناع شعبها بأن ما تفعله دفاع عنه، وكثيراً ما تنطلي هذه الخديعة، وإن لم تنطلِ، كما حدث في حروب فيتنام والعراق، اللتين احتجت عليهما مظاهرات شعبية كبرى رافضة للحرب، فإن هذا الرفض الداخلي سيدخل إطار حرية التعبير وطقوس التنفيس ولا يغير من الأمر شيئاً، وتُشن الحروب رغما عن معارضتها شعبياً لأنها فكرة تدور في رؤوس عدد قليل من الرجال المهووسين بها.
الكذب المعلن أو غير المعلن إحدى تقنيات هذه القوى للتبرير لجرائمها حيال أمم ودول أخرى، وحتى إذا كُشف الكذب، فلن يتغير شيء، ولا مجال حتى لاعتذار عن قتل الملايين بسبب كذبة، وبهذا الكذب المعلن أزاحت أميركا نظام صدام بحجة حيازته لأسلحة دمار شامل، وحين لم يعثروا على شيء منه اعتبروا حربهم ناجحة لأنها حققت لهم أهدافا أخرى عَرَضية، أما المليون عراقي الذين قتلوا فهو أيضا ناتج عرضي عن حرب خِيضت بسبب كذبة، ونرى الآن تكتيكات التحرش بفنزويلا التي تعتبرها أميركا مارقة، وباستخدام تقنيات الكذب نفسه، وهذه المرة الحرب على المخدرات.
وعلى الرغم من أن كل التقارير الدولية تقول إن فنزويلا أكثر دول أميركا اللاتينية نظافة من المخدرات، وإن ما يصل عبرها تهريباً إلى أميركا لا يتجاوز 4%، ولا توجد فيها إطلاقاً معامل لتصنيع الكوكايين، وهي الدولة الأكثر ضراوة في حربها على المخدرات، فإن مبدأ وزير الإعلام النازي يعمل بقوة في الدعاية الأميركية «اكذبْ اكذب ثم اكذبْ حتى يصدقك الناس» والأمر في الواقع لا يتعلق بالمخدرات، مثلما كان في العراق لا يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، ومن أجل هذا جاءت إعادة تسمية «وزارة الحرب»، من أجل إشباع استراتيجية الكذب الذي أصبح مصدرا لشرعية التدخل والتدمير والقتل في أي مكان تُحشد له التهم الزائفة.
الظاهرة الترامبية المتفرع عنها كل اليمين العنصري النشط الآن في العالم، وخصوصا حكومة الكيان الصهيوني التي تبيد سكان غزة والضفة، لم تكن مفصولة عن تاريخ هذه الأمة الدعائي والدموي والمليء بالأكاذيب التي يجب أن تصدق لأنها أكاذيب تصدر عن قوة، لكن المختلف فيها أنها في منأى عن الخجل من كل هذا التاريخ بل تتفاخر به، وترامب بعكس السابقين، يسب ويشتم ويصدح بكل هذا المكبوت العنصري؛ الذي حوله إلى خطاب شعبوي، دغدغ وجدان الكثير من الناخبين ممن كانوا يخفون هذه المكبوت، ليصل إلى سدة البيت الأبيض، وبالمثل وصل التحالف اليميني المتطرف في إسرائيل إلى السلطة عبر الانتخابات، واستطاع إيجاد الذريعة عبر حبكة من الأكاذيب لإبادة سكان فلسطين، وتحقيق الحلم التلمودي الخرافي بإسرائيل الكبرى.
أما الأمم المتحدة التي تحولت إلى مجرد جمعية أعمال خيرية تحاول أن تعالج آثار الحروب بدل الحيلولة دون وقوعها أو إيقافها، أصبحت لا تلعب سوى دور المسعف، وبياناتها مجرد تعبير عن مشاعر القلق، لأن القوة وحدها أصبحت هي من ترتجل القوانين الدولية وتفرضها، تهدد وتقصف وتفرض العقوبات على كل بقعة في العالم تجرؤ على، أو حتى تحاول أن تهمس كفى. فإلى متى سيظل مليارات من البشر الحالمين بالسلام والاستقرار ضحايا عشرات من الرؤوس المهووسة التي تدور في داخلها أفكار الحروب؟.
يتوهم ترامب أن أميركا عظيمة فعلاً، وقوية لدرجة يمكنها أن تأمر أي أمة في العالم، وأن تفرض العقوبات كما تشاء، وأن تتخلى عن أقرب حلفائها، لكن مواجهة عديد القوى لقرارات ترامب، وانعكاس نتائجها على أمن أميركا القومي وأمنها الاقتصادي، يؤكد أن أميركا قوية بحلفائها فقط، سواء أكانوا حلفاءها القدماء أو الذين هادنوها بعد انهيار القطب الثاني، الاتحاد السوفياتي، وينسى ترامب أن معظم حروب أميركا هُزِمت فيها، في فيتنام وأفغانستان وكوبا والصومال وغيرها، وكلها حروب ليست ضد الدول الكبرى والقوية، وستخسر أميركا ترامب كل حروبها الاقتصادية، خصوصاً وأن حلفاءها استيقظوا، وأدركوا ضرورة البحث عن تحالفات وتكتلات بديلة تقيهم شرور هذا الابتزاز الرخيص من قبل الولايات المتحدة التي بدأت تصعد فيها الديمقراطية الشعبوية كما صعدت في ثلاثينيات القرن الماضي في ألمانيا النازية.
وإسرائيل التي خسرت عبر ظاهرتها الترامبية الشعبوية الحاكمة الآن معظم حلفائها في العالم، ووضعت بيضها كله في السلة الأميركية، بدأت تدق مسامير نعشها ككيان فاشي لا يتسع له صدر التاريخ الطويل، وكم من حضارات كبيرة وقوى كبرى، على مر التاريخ، هُزِمت واندثرت حين سلمت مقاليدها لحكام متطرفين كارهين عنصريين لم يراهنوا إلا على القوة، لأن الانحدار الأخلاقي والمراهنة على القوة وحدها سموم فتاكة كم تسببت في اندحار وأفول حضارات وكيانات وإمبراطوريات لا تُحصى عبر التاريخ.
*خبران الآن وأنا أنهي هذه المقالة: قُتل ثلاثة أشخاص، بينهم رضيع، في أشد هجوم تشنه روسيا على أوكرانيا منذ بداية الحرب. مقتل أكثر من 92 فلسطينياً جراء القصف الإسرائيلي خلال الأربعة وعشرين ساعة الأخيرة. ترامب في التصريح نفسه يتوعد روسيا بعقوبات قاسية جراء هجومها الوحشي، ويهدد غزة بعواقب وخيمة إن لم يُسلّم الأسرى. ولا تعليق.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات