معظم الفقهاء رفضوا هذا الحديث، وحتى العدد القليل الذي قبله وأجازه على أنه حديث نبوي صنفه ضعيفاً، لأنه حديث أحادي رواه شخص واحد عن الرسول، كما يوجد حديث آخر تقريباً أجمع الفقهاء على أنه ليس حديثاً نبوياً، وهو الحديث الذي يقول «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»، ولأن الحديثين يعكسان قدراً كبيراً من الحكمة وبعد النظر، تساءلت لماذا رفضهما المحدثون والفقهاء، وقبلوا بأحاديث مدسوسة تفتقر للحكمة واللياقة.
يمكننا استنتاج سبب رفض الحديث الأول، فهو يجعل الفقهاء في مواجهة الحكام إذا أجازوه، لأن التاريخ الإسلامي حافل بالحكام الطغاة والظالمين، فإذا أجاز الفقهاء الحديث فقد ذموا الحكام بشكل مباشر، وهم ينصحون الناس ليلاً نهاراً بطاعة ولي الأمر، حتى ولو كان ظالماً يصادر أموالك ويجلد ظهرك بالسوط، أما لماذا رفضوا الحديث الثاني فلم أجد له إجابة سهلة مثل الحديث الأول، خاصة وأن الفقهاء الذين قبلوا الحديث على مضض، نصحوا بتطبيق النصف الثاني من الحديث وإهمال النصف الأول، وحجتهم في ذلك خوفهم من أن يركز الناس على الدنيا ويهملوا الآخرة، فحبذوا أن يهمل الناس الدنيا ويعملوا من أجل الآخرة، ولكن بقليل من التبصر يمكننا فهم فزعهم من الدنيا وتعلقهم بالآخرة، لأن الناس بطبيعتهم إذا أقبلت عليهم الدنيا سيهملون الآخرة، وهذا سينعكس سلباً على الفقهاء، فمهمتهم مزدوجة مثل ازدواج الحديث.
مهمتهم الأولى تمكين الحكام من ممارسة سلطاتهم الواسعة دون اعتراض من أحد، والمهمة الثانية هي إخافة الناس من اليوم الآخر، فالخوف من اليوم الآخر سيجعلهم يخافون من الحاكم، وسيضمن للفقهاء رزقاً لا ينفد حتى اليوم الآخر.
كم عدد الخلفاء الذين يمكن وصفهم بالعادلين في الدولة الأموية؟ لن نجد منهم إلا واحداً هو عمر بن عبد العزيز، ومن خلفاء الدولة العباسية سنجد المأمون، وحتى المأمون سنجد حوله خلافاً بسبب انحيازه للمعتزلة، فيما وصف بمحنة خلق القرآن، فهل الخلل في الحكام أم في الشعوب؟ كان من الممكن أن نختلف مثل اختلافنا حول من جاء أولاً البيضة أم الدجاجة؟ لو لم يمتد بنا العمر لنحضر سقوط نظام القذافي، الذي كنا جميعاً نعتقد أن اختفاءه من المشهد سيعيد ليبيا على السكة الصحيحة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما يجري اليوم في ليبيا سببه الحقبة الطويلة لنظام القذافي، وتدميره الممنهج لكل مؤسسات الدولة التي كانت موجودة في العهد الملكي، ونفس الأمر حدث في كل البلدان التي شهدت انقلابات عسكرية، فإذا تمكن اليوم أي طاغية من السيطرة على البلاد، ستخرج له الجماهير في مسيرات التأييد، وبالروح بالدم نفديك يا قائدنا أو يا محررنا، وعندها سيصبح الحديث الأول بغض النظر عن صحته كحديث نبوي حديثاً منطقياً.
الغريب أن نفس الفقهاء أجازوا أحاديث لا يمكن القبول بها، مثل الحديث الذي ثبته البخاري في صحيحه والذي يقول «إن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب فقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإننا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا. قال: فيسقون». كيف يعقل هذا وعمر روي عنه، أنه خاطب الحجر الأسود قائلا: «أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك». وجاء في الآية 106 من سورة يونس «ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين». هل عمر لم يقرأ هذه الآية ليتوسل إلى الله بالعباس؟ وحديث آخر ثبته البخاري في صحيحه يقول «ما تنخم رسول الله نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده». ويضيف «كانوا يقتتلون على وضوئه»، وهذا الحديث رواه اثنان المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، والرسول يقول عن نفسه في حديث رواه أبوهريرة أيضا في صحيح البخاري «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وجاء في الآية 107 من سورة الأنبياء «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، فهل نصدق حديث البخاري أم نصدق القرآن؟
حتى يتمكن الفقهاء من الانقلاب على إسلام القرآن لصالح إسلام الحديث، اخترعوا علماً يختص في الأحاديث سموه «علم الرجال»، على الرغم من أن المحدثين نقلوا عن السيدة عائشة وفقا للذهبي 2210 حديثاً، منها 174 حديثاً متفق عليها اختار منها البخاري 54 حديثاً، ومسلم 69 حديثاً، بينما روي عن فاطمة الزهراء بسب موتها المبكر 18 حديثاً فقط، وروي عن زوجة الرسول صفية بنت حيي 10 أحاديث، وروت ميمونة بنت الحارث 76 حديثاً، ولأم حبيبة بنت سفيان 65 حديثاً، ولحفصة بنت عمر 60 حديثاً، ولزينب بنت جحش 11 حديثاً، ولجويرية بنت الحارث 7 أحاديث، ولسودة بنت زمعة 5 أحاديث، فهل نسمي هذا العلم علم الرجال أم علم النساء؟
الحديث عنوان المقال يتوافق مع الآية 11 من سورة الرعد «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، واليوم نعيش في عالم متصل، وتصلنا الأخبار فور وقوعها على هواتفنا المحمولة، ويمكننا المقارنة بسهولة بين البلدان الديمقراطية، والبلدان التي يحكمها الطغاة والمستبدون والفاسدون، وبسهولة نجد أنه لا يمكن في الدولة الديمقراطية أن يصبح الحاكم المنتخب طاغية، لأن وعي الشعوب وقوة المؤسسات لا تسمح بذلك، كما أن السلطة ليست في يد واحدة، وإنما هي مقسمة بين ثلاث سلطات، تشريعية وتنفيذية وقضائية، ويمكننا أن نضيف سلطة الصحافة والإعلام وسلطة المجتمع المدني، وهو ما لم يتحقق في فئة البلدان الثانية، لأن وعي الناس لم يتغير وبالتالي فإن الله لن يغير أوضاعهم مهما أصبحت سيئة ومهما تضرعوا له، وحتى يتغير وعي الناس لا بد أن يتغير وعي من جاءت بهم الصدفة إلى مواقع اتخاذ القرار، فإذا اختار الناس مرشحين تنقصهم الكفاءة والخبرة والمؤهل، لصالح القرابة العائلية والقبلية والجهوية والعرقية فقد قامروا بمستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة، وهذا ما حدث بعد انتفاضات الربيع العربي، تغير الرأس وبقيت بنية النظام القديم كاملة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات