ذاكرة المدينة تعبث بي، في زاوية الباب البحري لسوق ميدان الحوت، عائدا لشارع المختار تحت الأقواس، على يمين ما كان مقر جمعية عمر المختار، ما تحته هذه الأيام مقهى، كان ثمة خمارة وكأني سكرت بالذكرى. يعتم المشهد ممزوجا بأصوات مبحوحة، وأن الشارع يتماوج أو أن الأرض زلزل زلزالها. أرسخ القدم وأشد العود وأسترد النفس، لأمشي ثابتا شاقا الباعة الذين يتراصون في الجانبين، ما بين الأقواس التي تضم المحلات الراسخة في الشارع، الباعة بنوا خياما مؤقتة غب العيد، كمصدات في وجه الغادي والرائح، يصطادون الزبون، يطرحون ويعلقون بضائعهم في ممر الشارع، المغلق في وجه خيول الحديد الهمجية.
بين شارع قصر حمد وجامع بن كاطو، خلائط ألوان الخيم تغلق عن الرائي السماء، حيث أمد النظر لعربدة الغيوم في سماء غاصة بسحب سحت، تتعارك عند جامع العتيق أقدم جوامع المدينة، أتعثر في بضاعة مسفوحة على طريقي، ما أشق غصبا عند محل تصليح ماكينات سنجر للخياطة، يد مساعدة تمسك بي: يا ساتر خذ بالك المصائد كثيرة هذه الأيام!.
كنت أظن أن اليد التي أمسكت بي يد عجوز، لو لم أكن في تلك الحالة من الارتباك لخلتها يد سي عابد البناني، وأنه نهض من قبره عند ممشاه اليومي قرب بيته ليشد الحيل، ولو كان الأمر كذلك لوقفت وقفة العتاب لم لا، أعاتبه: أن يده كانت تساعد حقا لو دونت ما تعرف من تضاريس المدينة، كنت أيها العجوز ذاكرة المدينة الشفاهية، خفت أم جفلت أن تكون المدون فضاع اللبن في الصيف وضيعتني أيها الشيخ، كنت سأجعله يتحقق من حلو العتاب بأن أجعله يلمس بين يديه كاغد عبد الله القويري من لم يقم في المدينة، وما كتب العابر ودون: بنغازي من الغرب فهي حضرية لا يقبلها البوادي، ويحتمي الناس بهذه الصفة، وتبتعد المدينة مرات عن الغرب فهي قريبة من البادية حولها، قاطعة جذورها، خالقة لنفسها شخصية شرقاوية متميزة، هي لا تقترب من البادية بمقدار إلا لتبتعد عنها بمثل هذا المقدار، وهي لا تقترب من الغرب بمقدار إلا لتبتعد عنه بمثل هذا المقدار. عوامل الموقع والتاريخ والاجتماع جعلت من هذه البقعة ذات سمات متفردة، لا ينكرها أهلها بل يعتزون بها ويتمسكون، ولعل الوهم يجعلهم يوغلون في تضخيمها، إنهم يحبون مدينتهم، لا يختلف في هذا الحب قريب عهد بسكناها أو بعيده، وحبهم هذا لا يوقعهم في تناقض.
أردت التحقق من هذا، حين تلاشى المشهد وذهب العجوز عابد البناني في الغياب، تحت وابل من المطر خض الشارع وأذهل الباعة، ثم سحب الزبائن إلى مظلة الشارع في خاصرتيه. فوق المحلات ما يضمها ممر من الأقواس، على الجانبين شرفات عامة في غيها، تطل من شقق مخبأة عن أعين السابلة، شرفات مزروعة بعناية محدثة ومنقوشة بقديم، الشقق تضم مكاتب حاليا، أما في زمنها الأول فهي منازل تتكئ على شرفاتها جسوم، وتنزلق منها نهود، وتتطلع محاجر عيون، سود وقسطلية وخضر وزرق، على المشهد من عل. أبواب هذه المنازل منزلة بين منزلتين، طالعة وخفية، محطوطة بمكر ودهاء بين أبواب المحلات. بعيد ما كان خمارة ينشق شويرع قصير النفس، فيعد خطوات تصب في ميدان صغير تتوسطه شجرة وارفة، يعد المستراح الخلفي لسوق ميدان الحوت، وفيه نصب باعة الخضار مكامنهم على صناديق ألواح في الهواء الطلق، وسكنت العصافير الطليقة، في مواجهة الشويرع المنزلق من عمر المختار، قبالة الشجرة الضخمة مظلة هذه الفسحة، مطعم الفاصوليا بالكرشة والحرايمي «طبيخ السمك الحار» مطعم سي بشير الوداني، من ربض منذ عقود من الزمان بالمكان، فكمن للجائعين يشدهم من أنوفهم، لهذه الفسحة فتحات أربع، تصب فيه البشر الراغبين الانزواء عن شغب ميدان الحوت وزحوم شوارع العقيب وجعفر وعمر المختار.
من الفتحة المجانبة لسوق الميدان ينبثق أغلب أيام الأسبوع رجل كمشة، يتلحفه بالطو بنى فاتح حتى يكاد يخفيه عن الناظر، يعتمر الطاقية الحمراء الشارة خاصة سكان شرق البلاد، التجاعيد تنقشع عن وجهه بالبسمة الدائمة، في رفقته ضباب سيجارته، التي لم تفارقه حتى وقد جاز له أن يناصف السبعين من العمر، أخاله في مشيه قصيدة هو الشاعر حسن السوسي، من قصده المغازلة وغوايته التشبب بالغواني والحسان، حتى عد مرة كسر رجله إثر أن دهسته سيارة وكانت امرأة السائقة، عد ذلك غزل وأن من الحب ما كسر.
من الفتحة المجانبة لمحل الخضار، ينبثق أغلب أيام الأسبوع، فيما سلف من الأيام، رجل انحنى ظهره من أثر معاندته للزمان، وأثقله طول العمر، وهمه التاريخي الذي لا يكل عنه عابد البناني، ومن هذه الفتحة أو تلك ينبثق بعض من الأصدقاء لملتقاهم اليومي، حيث يجلس من يلبس الكاط على الفرملة والسروال العربي أو كما ينعت اللباس المحلي، المعتمر أبدا الشنة القبعة الليبية والمتلحف الشعر راشد الزبير، يقعد اصبوحته بشوشا راشا بسمته في مقعده، بمحله أو صالونه الأدبي المتواضع، يلتم الصحب لمة تبلسم بالشاي والضحكات الكتومة والقصائد المطلوقة، من فاه هذا لمسامع شغوفة، أدخل فيكون لي مقعد من مقاعد أصحاب الصوب، الشعر العطر والكلام المنثور، نزوة توقد الجذوة ومفتتح شهوة الحياة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات