إعلان نتنياهو الذي خاطب فيه العرب حكاما وشعوبا بأنه ينوي ضم الكثير من كيانات سايكس بيكو إلى الدولة الإسرائيلية، لكي يتطابق الواقع الجغرافي مع الحقائق التوراتية التي يؤمن بها الشعب الإسرائيلي، لا تخرج مقاصده عن احتمالين:
الاحتمال الأول: هو رد على بعض الأصوات العربية التي تعارض تطهير غزة والضفة الغربية وترفض حتى الآن استقبال المهجرين في أراضيها، فلعل نتنياهو أراد أن يوضح لهؤلاء بأنه لا يزال في جعبة إسرائيل ما هو أكبر وأسوأ من هذا اذا ما اضطرت إسرائيل لذلك، وليقول للعرب إن الكثير من هذه الكيانات هي جزء من أراضي إسرائيل التاريخية وبالتالي بإمكانها أن تطهرها وتهجر عشرت الملايين من القوم القاطنين فيها، إن لم يتم استقبال بضعة ملايين من الفلسطينيين داخل هذه الكيانات وهذا ما أكده بأنه «من يدعي الاهتمام بالفلسطينيين ليفتح لهم أبوابه» فهدف رفع السقف من جانب نتنياهو الخبير بنفسية العرب وردات أفعالهم أمام التلويح والوعيد، هو جعلهم يقبلون بما هو دون ذلك فينطلق الحكام ونخبهم ووسائل إعلامهم في التنظير وفي عقلنة تهجير سكان غزة والضفة الغربية، الذين في الواقع لن يخلقوا فارقا ديمغرافيا إذا ما تكافل العرب وقبلت كل دولة منهم بحصتها، فيتقون غضب ترامب الهائج ويسدون الطريق أمام ذرائع وأطماع إسرائيل في هذا الظرف العصيب ويغلقون كل أبواب الخطر فيحفظون سلامة أوطانهم وشعوبهم.
أما الاحتمال الثاني فهو أن نتنياهو وقادة إسرائيل رأوا أن هناك فرصة تاريخية لم يسبق أن سنحت لإسرائيل للبدء في تحقيق هذا الحلم وهي تتمثل في جملة من المعطيات من أهمها:
1- ما يسمي بالشعوب والنخب العربية أصبحت في غالبيتها العظمى تتماهى مع روح الهزيمة والاستسلام والقبولية وينظر الكثيرون منهم لعجز وتواطؤ الحكام المهمومين بإرضاء الغرب وإسرائيل للحفاظ على وجودهم واستمراريتهم كرعاة لقطعان اختار لهم الغرب حدود مراعيها وزرائبها.
2- نجاح مختبر غزة الذي كشف عن نتائج مبهرة أدهشت المخططين الإسرائيليين والغربيين على حد سواء وشجعتهم على الذهاب كل مذهب في المنطقة والتجرؤ على فعل كل ما يعد خطا أحمر ومحرما ومقدسا لدى الشعوب الأخرى.
3- نجاح مخطط إغراق هذه الكيانات في حروب أهلية طائفية وإثنية وجهوية وعشائرية فتفككت في الكثير من هذه الكيانات بنية ما يسمى بالدولة فسقطت السلطة والسيطرة وإدارة توزيع الموارد فعادت هذه الأقاليم براحا جغرافيا كالحالة التي كانت عليها عشية الحرب العالمية الأولى، مع فارق وحيد وهو صراع واقتتال ما بداخله من مكونات وبحث كل منها عن نصير أو حليف خارجي يستقوى به على عدوه.
4- خروج إيران أكبر منافس إقليمي لإسرائيل من حلبة الصراع بعد أن تعرضت لضربات غربية وإسرائيلية دمرت معظم قدراتها العسكرية وأصبحت تبحث فقط عن الحفاظ على وجودها الجيوسياسي وأيقنت بأنها لا تستطيع وحدها أن تكسر مبدأ الإخصاء المفروض على كيانات المنطقة والذي يعد أحد أهم محرمات استراتيجية الغرب منذ ما يقارب قرنين من الزمن وحتى قبل أن تولد إسرائيل.
5- وجود إدارة أمريكية يقودها رئيس ليس معنيا بالمصالح الأمريكية فقط، بل أيضا بالذهاب إلى حماية وتحقق الرؤية التوراتية والمصالح الإقليمية الإسرائيلية حتى وإن تضررت صورة ومكانة الولايات المتحدة وحتى وإن اصطدم مع فئات كبيرة في المجتمع الأمريكي.
لا شك أنه لم يسبق في تاريخ إسرائيل القصير أن توافرت كل هذه المعطيات في وقت واحد، ولهذا فقد رأى قادة إسرائيل والإسرائيليون عموما عدم التفريط فيما أتاحته هذه اللحظة التاريخية الفارقة من فرصة للمجاهرة بكل حلم صهيوني كان يعتمل في صدور مؤسسي إسرائيل وعلى رأسها الرؤية التوراتية لدولة بني إسرائيل الكبرى، وهذا ما حدا برئيس الوزراء الإسرائيلي أن يعلن ولأول مرة رسميا ودون مواربة عن الحدود الحقيقية لدولة إسرائيل والتي تشمل داخلها عددا من كيانات سايكس بيكو التي تسمي نفسها دولا ذات سيادة وهو في الواقع خاطب على حد سواء الحكام والمحكومين بأنهم موجودون داخل حدود دولة إسرائيل التاريخية وأن ذلك يعني أننا قادمون لتهجيركم طواعية أو بالحرب على غرار النموذج الغزاوي، الذي أصبح معتمدا كحل في سوق التداول السياسي والدبلوماسي العالمي بفضل تصميم إسرائيل ودعم الولايات المتحدة.
كان رد فعل المخاطبين فرادى وليس مجتمعين حفاظا على عدم استفزاز إسرائيل، هو ما توقعه نتنياهو فلم يخرج عن شجب واستنكار خجولين تغلفهما دعوة إلى التمسك بالسلام كخيار استراتيجي، حتى لا تفهم إسرائيل أنهم يلوحون بخيارات أخرى لا سمح الله، بينما لم يصدر عن الجموع التي تقطن هذه الكيانات وغيرها أية ردة فعل جمعوية، فهم عالقون في بعضهم طائفيا وجهويا وإثنيا، ولعل الكثيرين منهم رأوا في إعلان نتنياهو حلا جذريا يريحهم جميعا.
الحكام العرب يتحدون إسرائيل بالسلام وقواعد القانون الدولي في زمن نموذج القوة العارية، ونتنياهو على استعداد أن يمنحهم سلاما ولكنه سلام روماني وفي هذه الحالة سيكون أمام إسرائيل خياران إذا كانت جادة في الأمر.
أول هذين الخيارين هو خيار التطهير العرقي على غرار ما يجرى في مختبر قطاع غزة والضفة الغربية، وهذا يعني تهجير عشرات الملايين من هؤلاء القويم إلى خارج حدود إسرائيل الكبرى ودفعهم نحو ما تبقي من كيانات إخوانهم المجاورة، ليحقق لهم نتنياهو رغم أنوفهم شكلا من أشكال الوحدة العربية التي طالما ذهب الكثيرون منهم في معاداتها إلى طلب حماية الغرب ومجلس الأمن من تعديات بعضهم على ما يسميها بعضهم الآخر سيادتهم وحدودهم.
لكن هذا الخيار لا يبدو عمليا ولا مفيدا لإسرائيل ولهذا فإن الخيار الثاني هو الأكثر قابلية للتحقق وهو الاستيلاء على هذه الأقاليم على أساس أنها استعادة لأراض كانت محتلة وإعلان السيادة الإسرائيلية واعتبار سكانها أهالي محليين مدجنين يسمح لهم بالعمل والعيش دون حقوق المواطنة الإسرائيلية، بينما تبقي بقية الكيانات الواقعة خارج الحدود التاريخية مجالا حيويا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا مع احتفاظ حكامها بصفة الخفراء التي كانوا يتمتعون بها في علاقتهم مع الغرب، فلا يوضع في هذه الأقاليم حجر فوق حجر ولا يقطع فيها برأي دون موافقة إسرائيل ولا يمتلك فيها أحد عجلة أو بندقية صيد دون ترخيص إسرائيلي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات