منذ فترة لم أتطرق إلى ما يحدث في غزة من جريمة لم يشهد لها تاريخ الحروب (أو الغزو) مثيلاً، وأمامها أو خلفها تحولت سردية الهولوكست إلى ما يشبه المزحة في تاريخ القسوة، والفارق أن الهولوكست مثله مثل معتقلات الفاشية في ليبيا، أو المعتقلات في حروب اليابان، أو غيرها من الجرائم، حدثت في العتمة ومن خلال تكتم شديد (لأنها مخجلة)، ولم يعلم بها العالم إلا بعد انحسار الحروب وهزيمة الجناة، بينما هولوكست غزة يقع في قلب الشرق الأوسط الذي يقع في قلب العالم، ويُنقل مباشرة وعلى مدار 24 ساعة بالألوان، بل إن الجناة فيها يفكرون في الحصول على جائزة نوبل للسلام.
وكنا نعتقد أن مشاهد الدمار الشامل، وعظام الناس البارزة من الجوع، أصبحت من الماضي، وأن ضمير العالم ترقّى ولم يعد يسمح بمثل هذه الإبادة الجماعية المستمرة منذ عامين. ربما يرجع غيابي المؤقت عن الكتابة عن غزة لأسباب عدة، ومنها شدة الألم والإحساس باللاجدوى الذي يجعلك تخرس، وأن الكتابة عنها أصبحت أكثر عبئاً وكأنك تنكش جرحاً غائراً فيك دون أن يفضي الأمر إلى نتيجة، وصرت أعتقد لو أن مليون كاتب كتبوا في اليوم نفسه عن هذه الجريمة لما غيروا من الأمر شيئاً، وما جدوى الكتابة أمام هذا السيل من الصور والمقاطع المروعة التي تحرك حتى ضمير الحجر، خصوصاً مع هؤلاء الوحوش الذين تزداد جرائمهم بقدر ما يتعرضون له من نقد وإدانات، وحتى المظاهرات والأعلام الفلسطينية التي رفعت في بقاع العالم لم تُغير شيئا، بل الأمر يزداد سوءاً بقدر ما تزيد الإدانات والجموع المحتجة. والحقيقة المؤسفة أنه لا يمكنك أن تغير شيئاً أو توقف هذا النزيف البشري إلا إذا أصبحت رئيساً للمكتب البيضوي، الوحيد القادر على وقف المأساة مثلما كان قادراً على الحيلولة دون وقوعها.
ومن سوء الحظ أن يترأس هذه المكتب الآن أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة (عنصري، دون أخلاق، دينه المال، وضميره الصفقات) ولو كان الرئيس في هذا الوقت أو قبله إبراهام لنكولن على سبيل المثال، أو جون كينيدي، أو أوباما، لما حدث ما حدث، ولأنقِذت عشرات الألوف من الأرواح البريئة، لأن أنسنة البيت الأبيض ليست سهلة في قلب منظومة أو أمة قامت على أنقاض وجماجم شعب سابق. وحتى في فترة ولاية بايدن كان الأمر أقل شناعة، فهو رغم علاقته الوطيدة مع الكيان، فرض عقوبات على بعض المستوطنين القتلة المجرمين، وأوقف شحنات أسلحة إلى الكيان الغاصب، واستطاع الوصول إلى هدنة يتم فيها تبادل الأسرى، كما ظل يتحدث عن حل الدولتين كطريقة وحيدة لوضع حد لهذه المأساة المستمرة منذ 80 عاماً من المجازر المتعاقبة، وصولاً إلى حرب شاملة من أجل إبادة العرق الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، لكن بمجرد أن عاد الشعبوي واليميني المتطرف ترامب إلى البيت الأبيض، أعطى من جديد الضوء الأخضر لهذه الآلة الصهيونية المتوحشة كي تستأنف حرب إبادتها، وعبر تكوينه المشوه كرجل صفقات ما عاد يرى في غزة سوى مكان للاستثمار العقاري، وما عاد يرى في سكانها سوى عوائق يجب إزالتها، ومن أول القرارات التي اتخذها رفع العقوبات عن المستوطنين القتلة، والسماح بنقل الأسلحة والقنابل الفتاكة إلى الكيان الصهيوني والتي تقتل يومياً المئات من الأرواح المهددة أصلاً بالموت جوعاً أو مرضاً، ولكي يبعد جهود الأمم المتحدة والأنروا قام بتكليف شركة مشبوهة تحت مسمى «مؤسسة غزة الإنسانية» مهمتها أن تحيل مراكز التوزيع إلى كمائن للفلسطينيين الجوعى كي يكونوا أهدافاً سهلة في العراء للقناصة الصهاينة، وأصبح ثمن الوصول إلى كيس طحين حياة الجائع، وكأن الأمر برمته نوع من القتل الرحيم والمشروع لمن يتعذبون من الجوع والمرض والنزوح المستمر.
ثمة سؤال في صميم فلسفة الأخلاق يطرحه نايغل وربروتن في كتابه الذي ترجمه نجيب الحصادي (تاريخ موجز للفلسفة)، حيال الموقف الإنساني تجاه رؤية طفل واحد يموت، وهو سؤال تسعى إجابته آنذاك إلى تقديم الدعم للأطفال الذي يموتون في العالم نتيجة جوع أو أمراض، ما بالك حين يُنقل هذا السؤال إلى ما يحدث في غزة الآن، حيث القتل المتعمد للأطفال عبر القصف المباشر والقنص والحصار والتجويع ونشر الأمراض وهدم المستشفيات وقتل الكوادر الصحية ومنع المساعدات من الوصول إليهم، وفي هذه الحالة، السؤال موجه إلى الشخص الوحيد، ترامب، القادر على إيقاف هذه المأساة والذي كان بإمكانه أن ينقذ حيوات آلاف الأطفال بكلمة واحدة، لكنه فعل العكس تماماً وأعطى للوحوش الضوء الأخضر كي يستمروا في قتل الأطفال دون هوادة. يقول وربروتن: «أنت في حديقة، حيث تعرف أن ثمة بحيرة. تسمع صوت دفعة في الماء ثم تسمع صراخاً. تدرك أن طفلاً صغيراً سقط في البحيرة وقد يغرق.
ماذا تفعل؟ هل تغادر المشهد؟ حتى لو كنت وعدت صديقاً بمقابلته والتوقف سوف يؤخرك، لا ريب في أن تعتبر حياة الطفل أهم من الدقة في المواعيد. البحيرة ضحلة تماماً، لكنها موحلة جداً. سوف تُعطب أفضل أحذيتك لو أنك قدمت العون. غير أنك لا تتوقع أن يتفهمك الآخرون لو أنك أحجمت عن القفز. هذا أمر يتعلق بالكائنات البشرية وتقدير قيمة الحياة. حياة طفل أكثر أهمية من أي زوج أحذية، حتى لو كان باهظ الثمن. كل من يعتقد خلاف ذلك مجرد وحش متنكر في إهاب بشرية. لقد كان لك أن تقفز في البحيرة، أليس كذلك؟ بالطبع.
ولكن لعلك غني بما يكفي للحَول دون موت طفل من أفريقيا يموت من الجوع أو بسبب مرض استوائي يمكن علاجه. قد لا يكلفك هذا أكثر من ثمن زوج الأحذية الذي أبديت استعداداً للتضحية به من أجل إنقاذ الطفل في البحيرة. فلماذا لم تقم بمساعدة الأطفال الآخرين، على افتراض أنك لم تفعل؟ مَنحُ مبلغ صغير من المال للجمعية الخيرية المناسبة سوف ينقذ حياة واحدة على الأقل. يوجد الكثير من الأمراض التي تصيب الأطفال والتي يمكن الوقاية منها بسهولة بلقاحات وأدوية تكلف مبلغاً صغيراً نسبياً. ولكن لماذا لا تشعر حيال طفل يموت في أفريقيا بما تشعر به إزاء طفل تراه يغرق أمامك؟ إذا كنت تحس بالشعور نفسه، فإنك إنسان استثنائي».
لكن ترامب لم تكن لديه مواعيد تؤخره عن إنقاذ آلاف الأطفال في غزة، ولم يكن خائفاً على حذائه الذهبي سنيكر المزين بالعلم الأميركي من وحل غزة، بل إن لعابه يسيل على هذه الأرض التي تغزل فيها وفي شمسها وشواطئها كمنتجع على المتوسط لأثرياء العالم، وهؤلاء الأطفال هم العائق أمام هذا المشروع ويجب إزالتهم، بينما الكونغرس الأميركي يعتمد تعديلات في قانون اللاسامية تعطي القوى الأمنية الحق في القبض على كل من يرفع علم فلسطين أو يحتج على قتل الأطفال، مثلما تفعل دول أوروبية أخرى.
وأخيراً، وليس بعيداً عن السياق نفسه، دبجت القوى الغربية الكبرى قانوناً يجرم معاداة اليهود (قانون تعقب الأعمال المعادية للسامية عالميًّا الذي أقره الكونغرس الأميركي يوم 10-10-2004 وأقره الرئيس جورج بوش يوم 16-10-2004)، وفي الأثناء مرروا قانوناً غير مكتوب يحرض على كراهية المسلمين ومعاداتهم تحت عنوان (الإسلاموفوبيا) وهو العنوان الذي أنعش اليمين المتطرف في كل هذه الدول، دون أن ننسى أنه ومنذ سيطرة قطب واحد على العالم شهدنا ثلاث حروب إبادة ضد المسلمين، تواطأ معها، أو سكت حيالها ساسة الدول الكبرى في الغرب: حرب الإبادة في البوسنة، وحرب إبادة مسلمي الروهينغا وحرب الإبادة الجارية الآن ضد الفلسطينيين.
وما يحدث الآن في غزة يبين لماذا احتاج هذا العرق الديني أو الدين العرقي بالذات إلى قانون يحميه من المعاداة كسابقة في التاريخ. ما يحدث الآن في غزة وما حدث منذ النكبة الأولى سنجد جذوره في العقيدة التي تحولت إلى أيديولوجيا مدونة في (التلمود) المنبثقة عنها الحركة الصهيونية، وهي عقيدة وثقافة أكثر شراً وخطراً نظرياً من النازية والفاشية، ولم تكن تحتاج سوى إلى قوة كي تعبر عن وحشيتها بالقدر الذي نراه الآن في كل الشرق الأوسط. يرد في موقع «المكتبة الشاملة» ص 133 عن التلمود: «إن اليهود أحب إلى الله من الملائكة، وأنهم عنصر الله كالولد من عنصر أبيه. والأممي يطلق على كل من ليس يهودياً، فالناس عندهم قسمان: يهود وأمميون. واليهود يفضلون الأمميين كما يفضل الإنسان البهيمة، والأمميون جميعاً كلاب وخنازير.
ويحرم على اليهودي العطف على الأممي؛ لأنه عدوه وعدو الله. وكل ما على الأرض ملك اليهود. فما تحت أيدي الأمميين مغتصب من اليهود وعليهم استرداده بجميع الوسائل. وسرقة اليهودي أخاه حرام لكنها جائزة بل واجبة مع الأممي لأن كل خيرات العالم خلقت لليهود، فهي حق لهم وعليهم تملكها بأي طريقة». وهذا ما يطبق حرفياً في أرض فلسطين كنقطة انطلاق للتوسع منذ النكبة الأولى، لأنها عقيدة الحكومة اليمينية وقطاع كبير من منتخبيها والمؤيدين لها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات