..وتشاء الصدف أيضًا أن يتفق أدائي هذا الالتزام مع الذكرى الأولى لرحيل أحد الرموز الذي ربطتني به أكثر من وشيجة، وهو المرحوم جاد الله عزوز الطلحي، الذي غادرنا في الخامس عشر من يونيو بالعام الماضي، عقب مرضٍ طال بعض الوقت، وعمرٍ ناهز الثمانين سنة، وحضورٍ قُدِّرَ لي أن ألمسه في العام السادس والستين من القرن الماضي، وهو يباشر عمله في وزارة الصناعة الليبية عائدًا من دراسته الجامعية الأوروبية التي أهلته لها معدلاته الدراسية، إذ كان على رأس العشرة الأوائل، فاختص في الجيولوجيا، وبمركز البحوث الصناعية تحديدًا، حيث كان من بين الذين شاركوا في المسح الجيولوجي، ليصل إلى أقاصي الجنوب الليبي، فتعرّفَ إلى عديد العاملين في ذلك القطاع دون أن يُسجَّلَ عليه أي تحيّزٍ نتاج العلاقة الشخصية أو نفورٍ يمليه الاختلاف في الرأي.
لقد بحث في الفترة الأولى من وجوده بالمدينة عمن كانوا يوصفون بـ«المثقفين الوطنيين» ممن دأبوا على التحلق حول بعضهم البعض، والحوار حول قراءاتهم وشيءٍ من همومهم، التي كثيرًا ما حال دون نموها وفاعليتها حالة اليسر المعاشية الناتجة عن الثروة البترولية.
أذكر منها زيارة لم أهملها عند تدويني ذكريات المرحلة عندما حضر مرافقًا للصديق الراحل عبد الله عمر القويري، أحد القياديين الإداريين في وزارة الصناعة، فكان ذلك اللقاء العفوي الذي لم يؤثر فيه اختلاف الأذواق، لأُمضي معه بعض الوقت الذي ظل في ذاكرته، ووقفت عليه وهو يستقبلنا في المكتب الوطني للهندسة عندما نجح في إقناع الدوائر المأذونة أن تتركه في حلٍّ من أي تكليف، لينجز ما رأى جدوى نقله إلى العربية مما كتبه بعض الذين ألّفوا بالتاريخ الليبي بلغاتهم، وأشهرها الفرنسية، من كُتُبٍ اعتمدوا فيها على المصادر التاريخية العربية حول الشمال الأفريقي والصحراء الكبرى.
تلك التراجم التي لم يكتف فيها بالنقل، وإنما أضاف عليها عددًا من الهوامش التي رأى ضرورتها للتدقيق أو الإضافة، مشيرًا إليها بعلامات التنصيص، ما فرَّقَ بينها وبين عمل المؤلف ومراجعه. ومعلوم أن الراحل قد قطع مشوارًا غير قصير في العمل، حيث بلغ ذروته محليًا برئاسة اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء).
كما حمل حقيبتي وزارة الخارجية والتخطيط وتمثيل ليبيا في الأمم المتحدة، ذلك المكان الذي رفض فيه إلقاء الكلمة التي أُرسِلت إليه في ذلك المحفل، مُفضلًا العودة وربما المساءلة. كما شهد السيد عبد الرحمن شلقم على إلقاء كلام خالٍ من المسؤولية، وقد يندم عنه بعد التنصّل منه وإنكاره. أما ردوده في جلسات مؤتمر الشعب العام فكانت من بين ما ينتظره عديد المتابعين، لما حملته من المعاني التي تتجاوز الموجودين إلى من سواهم الذين لا يخفى عليهم أي قولٍ.
إنها المسيرة التي ختمها بكلماته المهمة عندما حضر عدد من العاملين القياديين عقب تفجر الأحداث في العام الحادي عشر، فاكتفى بالقول: لو تحاورنا لما تقاتلنا. أما المسؤول عن غياب الحوار فذلك ما لا يخفى على كل من يعنيه الأمر. وأجمل جاد الله آراءه في كتابٍ اختار له عنوان «لقد أسمعت»، حمّلَه آراءه التي رأى ضرورة اتباعها، وقد شرَّفني بإهداء نسخة منه شأن بقية مؤلفاته التي طالما تكرَّمَ بإهدائها مدونَا بها أجمل العبارات وأصدقها، وكثيرًا ما قمت نحوها ببعض الواجب. وكما قلت في صدر هذه السطور، كثيرٌ من جاد الله في قليلٍ عنه، وعسى أن يكون في توافقٍ على استخلاص الدروس وأداء الواجب، وشيء خير من لا شيء، كما يقولون.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات