1- جيلُ الستينيات، جيلُ التمرد والعبث واللامعقول، والثورات والهيبز والبيتلز، والذي يأتي ولا يأتي والهزيمة العربية في حرب 5 يونيو، وكان آنذاك اليسار الفرويدي مُتسيدا جبهة الفكر الإعلامية: هربرت ماركوز وإريك فروم... إلخ، وكان اللامنتمي صرعة اللحظة على يد صحفي نابه، تحول إلى أيقونةٍ للشباب الناقم يدعى كولن ولسون. في هذه اللحظة بدا وكأن العالم قد سلم زمامهُ للأفكار وحاملها الأيدولوجيات، وتحولت الصُحف إلى أسفار أنبياء العصر: ماركس وفرويد ودارون...
لقد قفز إنسانُ تلك اللحظة، ما بعد الحرب العالمية الثانية، من قرد إلى سيد الكون، بعد أن طال غاغارين الفضاء. لكن في الإقليم العربي من الأرض، بدأ ما سمي بـ«نكسة حزيران» يقظة الهزيمة، لهذا تزامنتْ وتراصت الشيوعية والوجودية والأفكار الدينية في سلةِ اليوم الصحفية، لعلنا نذكر ما أثاره كتاب جلال العظم عن الفكر الديني من ضجة، وكذلك الكتابة الصحفية في جريدة (صباح الخير)، التي تُفسر القرآن تفسيراً علمياً، على يد كاتب طبيب عُرف بكتابته القصة القصيرة، حتى ظهوره مُفسرا قرآنيا فجاءةً وهو الدكتور مصطفى محمود.
لكن أهم ما جسد هذا الجيل أنه جيل القصة القصيرة، فكان يوسف إدريس القاص نجم النجوم، ومنه سلالة سردية مصرية ثم عربية حتى إن واحدا منها مثل زكريا تامر في سورية عد السارد حينها، وقد برز كتاب القصة القصيرة منذ ذاك حتى هيمنوا على السبعينيات من القرن العشرين.
2- كنتُ صبيا شغوفا بالقراءة ،طالعتُ ما في مكتبة المدرسة، وكتبا استعرتها من أصدقاء، وجلها في الأدب وخاصة المصري، وحين أمر على المكتبات والأكشاك التي تبيع الكتب تشدني كتب لكتاب ليبيين بعضهم من طالعت لهم مقالات أو قصصا بالجرائد، لكن ما لفت نظري كتب مكتوب على غلافها أنها فازت في مسابقة اللجنة العليا للآداب والفنون الليبية العام 1965م، منها ديوان (أشواق صغيرة) للشاعر على الرقيعي، والمجموعة القصصية (الجدار) ليوسف الشريف، وشدني الكتاب الحاصل على الجائزة الأولى، المجموعة القصصية (البحر لا ماء فيه) لأحمد إبراهيم الفقيه، ما لفت نظري عنوان المجموعة والمفارقة الظاهرة فيه، مما حيرني ولم أستوعب حينها أن ثمة بحرا لا ماء فيه.
لم أمتلك المال لقيمة الكتاب، ذي الثمن البخس لأنه من طباعة الدولة، كنت أتردد على المركز الثقافي الليبي للمطالعة واستعارة الكتب، وأثناء البحث بالمركز عثرت على (البحر لا ماء فيه)، لكن شغف الصبي وشيطانه ألحا عليّ أن أسرق نسخة، لأحتفظ بهذا البحر في مكتبتي الصغيرة التي كنت بصدد إنشائها. استعرت أشواق الرقيعي، ودسست تحتها بحر الفقيه، هممت بالخروج، لكن مدير المركز، الجالس على مكتبه، نهض باتجاهي قبيل خروجي فارتبكت، مبتسما طلب منى الانتظار، مما خض حليب ركبي، ما أخذتا ترتعشان، اتجه إلى الداخل حيث رفوف القصص والروايات بالمكتبة، سحب كتابا ثم جاء عندي، منحني النسخة التي سحب، وهو يبتسم مداعبا رأسي قائلا: هذه قصص يوسف الشريف (الجدار) هدية مني، احتفظ بها علّ تكون لك مكتبتك الخاصة، ثم أعطاني بالظهر مكملا كلامه: وكلما أعجبك كتاب نادر وينفع لمكتبتك أطلبه مني.
لم يخيب أحمد إبراهيم الفقيه القاص شغفي، الذي تأكد منذ اطلاعي الأول ذاك على مجموعته الأولى، بل بعد سنتين عله من مُحفزي لذهاب إلى الصحراء، للعمل كطالب إثناء العطلة المدرسية السنوية، ولأخوض في (البحر الذي لا ماء فيه)، ثم طالعت (اربطوا أحزمة المقاعد) المجموعة الثانية، أما مجموعته الثالثة (واختفت النجوم) فأعدها من القصص القصيرة التي لا شبيه لها، ففيها تبين المقدرة المميزة عنده في كتابة القصة القصيرة، من حيث جماليات الدلالة الخاصة والشعرية التي توحي بها الموضوعة قبل اللغة، ومن ذا فإنه كاتب قصة قصيرة قل نظيره.
حين ذهبت إلى (طرابلس الغرب) للعمل كصحفي العام 1974م، كان من أوائل من التقيت أحمد إبراهيم الفقيه، من حينها يعمل كرئيس لتحرير جريدة (الأسبوع الثقافي)، وهي أول جريدة عربية أسبوعية مختصة في الثقافة أسسها الدكتور على فهمي خشيم. حين وصلت المدينة، كانت ليبيا تعيش حالة من الرعب، فالعقيد القذافي أعلن ما دعاه بالثورة الثقافية وزج في السجون بالكثير من المثقفين، جلهم من الكتاب والشعراء والصحفيين، لذا الفقيه أخذني جانبا ليسألني عن بعض من اعتقل في مدينتي بنغازي، خاصة الشاعر الأشهر محمد الشلطامي، بدا متوجسا وهو يسألني، وحين مررنا بمحطة للسيارات وقف ثم مشيرا للسيارات قال: انتبه حين تجد رقم السيارة ينتهي – ما ذكره من الأرقام لم أعد أذكره – فإنها تتبع المباحث، وعلّ الخوف الرفيق لم ينسِني هذه الواقعة.
القاص أحمد إبراهيم الفقيه قناص مدرب ومحنك للحدث، وهو سارد سلس يعجن الحدث، ما يكون اعتياديا كرأس أغنية مثلا (طاحن نجوم الليل.. وأنت وينك) ما تحول لقصة (واختفت النجوم)، ومن ذا فإن سردياته نسج لما سمع ورأى وعاش، فهو مدون للكثير من المشافهات، والتخييل عنده في التقاط المنسي والمعتاد وما على قارعة الطريق، فجعله ما هو واقعي متخيلا، وهذا ما جعل سرده المكثف السهل السلس والمتاح الذي لم يتح لنا مطالعته. وقد أسهب أحمد إبراهيم الفقيه في الكتابة، حتى أنه كتب أطول رواية في العربية حتى الآن، لكن القصص القصيرة من جمالياته التي أضافت للسردية إضافة لافتة للنظر الحصيف. وبهذا فإنه جعل من الكتابة الليبية كتابة مميزة مع نفر من زملائه مثل خلفية الفاخري وخليفة التكبالي وخليفة حسين مصطفي، ثم عمر الككلي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات