(فلنخفف الحرارة ولنزد البرودة)
داج همر شولد
وهذه التسجيلات التي سمعها المواطن خلال هذه الأيام لم تعتبر مجرد تسريبات أو أسرار. إنها توثق لمرحلة من مراحل الصراع في الأمة بعد نكستها وقبلها أيضاً وتشير في اللحظة ذاتها إلى اختلافات وتناقضات واضحة كانت موجودة بين أنظمة عربية ثورية تهدف إلى تحرير فلسطين وفق خطابها اليومي الذي لم يتوقف. كان صوتها يهدر ويتقاطع ويعلو وعبر هذا الصوت ضاعت فلسطين.
والتسجيلات في مجملها تكمل المحاضر والجلسات التي تحدث فيها عبد الناصر بصراحة عن آلامه وجروحه وإلى النقطة المحزنة التي وصل إليها وأدرك من خلالها كل الأمور بعد رحلات النضال والمعارك. هنا تبرز هدى عبد الناصر بمسؤولية المؤرخ والموثق. لقد حلت عبر نشرها للأوراق الخاصة لوالدها ثم إذاعة التسجيلات محل هيكل. ذهبت إلى أبعد حد من الصراحة ونشرت كل شيء وأذاعت أيضاً كل مخفي عن الأسماع والأنظار.
ربما لاحظ البعض أن هناك (قطعاً أو فصلاً أو إقصاء) في التسجيلات بعكس ما ورد في نشر الأوراق الخاصة، وذلك صحيح إلى أبعد حد.
حاولت التسجيلات الابتعاد عن مواضع الحرج لبعض الدول العربية التي تحدث عبد الناصر عنها بألم وحرقة. نالته سهامها. آثرت الابنة مراعاة هذه الحساسيات، ولكن في المستوى العام تظل الأوراق الخاصة هي الأصل في الرواية والتأريخ من عبد الناصر نفسه والتسجيلات تكملها. كانت بصوت عبدالناصر وفي الأوراق تم تفريغها من واقع الجلسات واللقاءات التي تمت بالطبع بحضور عبد الناصر نفسه.
والمتابع لكتابات هيكل يلاحظ أنه لم يذكر كثيراً ما ورد في الأوراق والتسجيلات على وجه العموم. كان يلتقط ما يعن له من تصريحات عبد الناصر وحواراته معه ورؤياه للقضايا. ويعتمد على ما يصله من وثائق وأوراق من مكتب معلومات عبد الناصر. أما الأوراق فهي كانت خاصة جدا بأسرة عبد الناصر.
ورثتها مباشرة منه ولم تكن كما تبين أنها ضمن أرشيفات الدولة المصرية في القصر الجمهوري أو سكرتارية الرئيس أو مراكز الوثائق الأخرى أو المخابرات وأجهزة الأمن. إنها تعود للأسرة فقط التي اشتغلت على تقديمها للقارئ العربي ممثلة في هدى عبد الناصر.
وعلى الدوام يجوز للزعيم - أي زعيم - ما لا يجوز لغيره. لا يستطيع أحد سواه تخطي الخطوط الحمراء إذا ما أراد. وقد حدث الذي سمعناه أو رأيناه مع الكثيرين من المسؤولين وصناع التاريخ الذين تعاملوا مع الوقائع في جوانب أخرى مخفية من تحت الطاولات. والشواهد كثيرة ولا تقتصر على عبد الناصر وحده الذي ظل العديد من مريديه أو الذين يسمعون عنه في هذه المرحلة ينفون ما حدث ويستنكرون إذاعته ويتساءلون عن ذلك بلماذا الآن. والأمر لا يستحق هذا السؤال. سيظلون وحدهم يدافعون في الفراغ.
الأسرة نشرت ذلك وأذاعته. وكان عبد الناصر في الأصل قد وقف مراجعاً لنفسه وناقداً لها ومتراجعاً أيضاً عن خطوط عديدة ولا بد من فهم ذلك ومراعاته في سياقه الحقيقي. ذلك لا يعني الخيانة أو الجبن بقدر ما يعني الاعتراف بالمسؤولية وبالخطأ وبالهزيمة وليست النكسة.
عبد الناصر في 1967 في عز الأيام القاسية اعترف بقرار مجلس الأمن 242. وفتح قنوات لمبادرات للسلام بدلاً من الحرب ويبدو أنه استلهم قولاً مأثوراً من همر شولد أفصح به في خطابه الشهير عند توليه منصب أمانة الأمم المتحدة عام 1953: (إن أعظم صلوات الإنسان لا تطلب النصر إنما تطلب السلام) و(أن الله أعطانا العيون في مقدمة رؤوسنا وليست في مؤخرة رؤوسنا).
تلك الأيام المرهقة والمرة التي اكتوى بنارها عبد الناصر وحيداً بعد ظلام النكسة وقارب على التنحي مؤكداً تحمله المسؤولية كاملة عما حدث وشرع في نقد المسيرة ثم بناء الجيش وخاض صراعاً زاد من انكساره وحزنه على المستوى الإنساني والشخصي والرسمي مع أقرب الناس إليه. الصعيدي عبد الحكيم عامر. إضافة إلى شماتة الأصدقاء والأعداء معاً.
ذلك كله قاد عبد الناصر الحزين والذي يكاد ينهار إلى ما وصل إليه بنفسه من مراجعات وتغيرات في شخصيته التي أصابها انكسار على ضوء ما حدث، وذلك من طبيعة الأمور.
عبد الناصر جذوره صعيدية وأصوله عسكرية ومن الصعب أن تتآلف مع الانكسار والوقوع في أسر الخذلان والهزيمة. ذلك شيء يقدر لأي شخص من الناحية الإنسانية والعاطفية. لكن المريدين تنتابهم حالة التقديس ولا يتراجعون عنها. ظل عبد الناصر في أذهانهم هو عبد الناصر القديم الذي يقلب الدنيا ولا يقعدها وليس عبد الناصر في صورته الجديدة وصوته الواهن وآلامه وصدماته. كان من الطبيعي جداً أن يصل عبد الناصر إلى ما وصل إليه بالبحث عن طريق آخر غير الحرب والمعارك. يبدو أنه (قرف) من ذلك تماماً.
حاول عبد الناصر من قبل ولكنه كان يخشى الاغتيال. وضع المحاولة في وجه بورقيبة. عام 1965 في زيارة أريحا المشهورة. وبعد الشتيمة ثم الهزيمة لم يجد عبد الناصر والعرب كلهم ما دعا إليه بورقيبة ولو بالقليل. ظلت الفرص تضيع في الوقت الواسع.
وحين تعددت الأصوات لم يعرف العالم كيف يتعامل مع العرب ومطالبهم وماذا يريدون. كل زعيم كان يغني على ليلاه وقد أدرك عبد الناصر ذلك بنفسه وقال في أوراقه عام 1970 والتقطتها التسجيلات يومها في صراحة له مع ياسر عرفات في القاهرة أيام مخاض روجرز..(من الذي يحارب. نحن الوحيدين ثم عندما ينتهي وقف إطلاق النار فهو مع مصر فقط وليس مع الأردن ولا مع سورية ولا مع العراق ولا مع لبنان لآن الاخرين وقف إطلاق النار معهم ماشي إلى الأبد.
لماذا أطرد طلبه من الجبهة الشعبية؟ قلت بعد الامتحانات. يقولون للطلبة المصريين.. حكم برجوازي.. حكم الطبقة. تعالوا انضموا معنا لمقاومة البرجوازية. كيف أتركهم وهذا ما حدث من ستة أشهر قبل مبادرة روجرز.
لما اتصلوا بالطلبة وعمال وتحريضهم انقلب الموضوع. ليس مقاومة ولكن أمن ولهذا الداخلية اتخذوا إجراءات أمن وأنا الذي أعطيت تعليمات بالنسبة للأمن والمعركة مستمرة مع البعث العراقي نتيجة لنشاطهم التآمري في مصر).
ثم مضى يقول للختيار صاحب الكوفيه.. (نحن نزلنا في قواعدنا وقلنا المقاومة فيها مزايدات والغريب أن الفلسطينيين كانوا يقولون إذا حدث اتفاق على انسحاب إسرائيل لا بد أن يشمل هذا الاتفاق على تصفية المقاومة.. هم خايفين على أنفسهم.
إذن هي مصالح شخصية وليست وطنية. وأجيب على تساؤل المقاومة ما هو مصير المقاومة. قلت لهم هناك قضيتان.. فلسطين والمقاومة إذا خلطنا بين الاثنين نكون نسير في طريق خطأ فلنتكلم أولا عن فلسطين ثم بعد هذا نتكلم عن قضية المقاومة. قلت لهم هذا سخيف إذا كنتم مستعدين لتحرير خمسين في المئة من أرض فلسطين الآن فلماذا لا تتحركوا. كان ردهم أننا نعمل لتدمير أي حل سلمي).
كان عبد الناصر يتحدث بوجع. وكان من الطبيعي كما سبق القول أن يصل إلى ما وصل اليه. لم يكن من الناحية التاريخية يناور باتجاه السلام ولكنه كان جاداً ويبحث عن كل الطرق التي تتيح له ذلك. كانت من خطواتها فتح جسور مع مثقفين يساريين.. في مصر وخارجها.. بحثاً عن السلام المفقود. فلماذا يزعل المريدون ولا يتركون العاطفة والتقديس. كان الرجل الذي هو عبد الناصر واضحاً بعد هزيمته أكثر من معارك انتصاراته التي مضت.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات