في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعصف بالدولة والمجتمع، بات واضحًا أن الحلول الاقتصادية المعزولة لا يمكنها معالجة جوهر المشكلة، ما لم تُبنَ على أسس دولة حقيقية تعمل وفق رؤية استراتيجية شاملة. فالدولة ليست مجرد مؤسسات إدارية تحمل أسماء رسمية، بل هي كيان فعّال يجب أن يُعيد بناء نفسه على قواعد دستورية متينة تستمد شرعيتها من عقد اجتماعي جامع، يحدد العلاقة بين السلطة والمواطن، وينظم إدارة الثروات بما يضمن العدالة والشفافية والمساءلة.
* الدولة كإطار تنظيمي للإصلاح الاقتصادي
لتحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي، لا بد من إعادة بناء الدولة على أسس تجعلها قادرة على تحقيق استقرار مالي واقتصادي مستدام، من خلال:
• عقد اجتماعي جديد يضمن الحقوق والواجبات، ويحقق التوازن بين السلطة والمجتمع، ما يُسهم في خلق بيئة سياسية مستقرة ويدعم القرارات الاقتصادية الفعالة.
• تشريعات اقتصادية عادلة تنظم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وتضع قواعد واضحة لإدارة واستثمار الثروات الوطنية.
• إصلاح المؤسسات المالية مثل وزارة المالية والمصرف المركزي، عبر تحديث أنظمة العمل المالي، وضبط السياسات النقدية بما يمنع التضخم ويضمن استقرار العملة الوطنية.
• ضبط إدارة الثروات الوطنية من خلال تعزيز الرقابة المالية ومنع الفساد، لضمان توزيع الموارد بشكل عادل بين جميع فئات المجتمع، وتقليل الاعتماد على القطاع الريعي (النفط).
* أثر غياب الدولة الحقيقية على الأزمة الاقتصادية
إن غياب الدولة القوية، التي لا تقتصر على الهياكل الشكلية بل تمتلك القدرة الفعلية على إدارة الأزمات، أدى إلى:
• تفكك السياسات الاقتصادية نتيجة لغياب رؤية استراتيجية متكاملة، مما جعل الاقتصاد خاضعًا للقرارات العشوائية وقصيرة المدى.
• هيمنة المصالح الضيقة على القرار الاقتصادي، حيث أصبحت الأولوية للمكاسب الشخصية والفئوية على حساب السياسات الاقتصادية العامة، مما زاد من التفاوت الاجتماعي وعدم الاستقرار المالي.
• تفشي الفوضى الاقتصادية بسبب غياب الرقابة على تدفق الأموال، وارتفاع التضخم بشكل غير مبرر نتيجة لطباعة النقود دون إنتاج حقيقي.
مثال ذلك في ليبيا، حيث أدى تضخم بند الأجور، وزيادة عرض النقود من 110 مليارات دينار في 2022 إلى 150 مليار دينار في 2024، إلى انهيار القوة الشرائية للمواطن دون أن يشهد الإنتاج نموًا حقيقيًا يُوازن هذا التضخم.
الضرائب كأداة للإصلاح الاقتصادي
تلعب الضرائب دورًا محوريًا في:
• تمويل الخدمات العامة بشكل مستدام، وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية المتذبذبة.
• تحقيق العدالة الاجتماعية عبر فرض ضرائب تصاعدية تُسهم في إعادة توزيع الدخل وتقليل الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.
• ضبط المؤشرات الاقتصادية حيث يساعد نظام ضريبي عادل في قياس مستويات الاستهلاك والاستثمار والإنتاج، مما يُمكّن من وضع سياسات مالية أكثر دقة.
لكن في ليبيا، يظل نظام الضرائب ضعيفًا وغير عادل، مما أدى إلى تفشي التهرب الضريبي، واستمرار الدولة في الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، وهو ما يجعلها عرضة للهزات الاقتصادية في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
* إصلاح المالية العامة كركيزة للتعافي الاقتصادي
يشير الخبراء إلى أن التضخم في ليبيا ليس مجرد نتيجة لزيادة المعروض النقدي، بل هو نتاج لسوء إدارة المالية العامة، مما يستدعي:
• إصلاح وزارة المالية والمصرف المركزي عبر تبني أنظمة مالية إلكترونية متطورة، تمنع التلاعب في الميزانية وتحسن كفاءة الجباية الضريبية.
• إعادة توجيه الدعم الحكومي، بحيث يتم الانتقال من دعم الأسعار إلى دعم نقدي مباشر، ما يضمن وصول الدعم لمستحقيه ويحدّ من تهريبه إلى السوق السوداء.
• تنويع مصادر الدخل الوطني، من خلال دعم قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، لتقليل الاعتماد على النفط، وخلق اقتصاد أكثر توازنًا واستدامة.
* الأساس لإعادة بناء الاقتصاد
لا يمكن فصل الإصلاح الاقتصادي عن إعادة بناء الدولة على أسس دستورية حقيقية. فالدولة التي تستند إلى عقد اجتماعي شامل توفر بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، تتيح للمواطنين المشاركة الفاعلة في صنع القرار، وتضمن:
• توزيعًا عادلًا للثروة والسلطة، ما يقلل من التفاوت الاقتصادي والمناطقي، ويحقق التوازن الاجتماعي.
• آليات رقابة ومساءلة شفافة، تحمي الاقتصاد من الفساد وسوء الإدارة، مما يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في مؤسسات الدولة.
• حقوقًا وواجبات واضحة، تعزز من المشاركة السياسية، وتضمن استقرار الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.
ختامًا، إن استمرار الحلول الاقتصادية السطحية دون إعادة بناء الدولة على أسس دستورية ومؤسسية قوية، يجعل الإصلاحات مجرد مسكنات لا تُعالج جذور الأزمة. فبناء دولة حقيقية قائمة على عقد اجتماعي عادل هو الركيزة الأساسية لتحقيق العدالة والشفافية في إدارة الثروات، وضمان استقرار النظام المالي، وخلق اقتصاد متوازن يُوفر للمواطنين حياة كريمة.
من الفوضى إلى الاستقرار، يبقى الإصلاح الحقيقي مرهونًا بإرادة سياسية واعية، تتبنى نهجًا شاملًا يعيد بناء الدولة والمجتمع وفق رؤية استراتيجية تضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات