Atwasat

مسلسل البطل وتشريح الخوف

سالم العوكلي الثلاثاء 01 أبريل 2025, 06:50 مساء
سالم العوكلي

العمل الدرامي المهم الذي توقفت عنده في هذا الموسم الرمضاني هو (البطل) مسلسل سوري من إخراج المبدع الليث حجو، المشارك في تأليفه، وبمشاركة نخبة من الممثلين الكبار، وتميز هذا العمل بحبكته المتقنة وبجمال الأداء في كل وسائله التعبيرية، والأهم بخطابه الفكري العميق الذي تقبع خلفه رؤية وثقافة تميزه عن باقي ما أتيح لي مشاهدته. قصة المسلسل مستوحاة من مسرحية الكاتب والشاعر ممدوح عدوان «زيارة الملكة» التي فكك عدوان من خلالها مفاهيم غامضة مثل البطولة والتضحية ومعنى الصواب والخطأ في الأزمنة الخاطئة.

تدور الأحداث في قرية صغيرة عصامية يحاول مجتمعها الصغير أن يتشبث بما أوتي من مقدرات العيش اليومي في بيئة عمرانية تبدو من خلال كوادر التصوير وكأنها خام انبثقت من الطبيعة حولها، وبطل العمل الأستاذ يوسف عيد الصالح الذي أدى دوره ببراعة الممثل بسام كوسا، يعمل مديراً لمدرسة القرية، معروف بهدوئه وجديته ونزاهته، يحاول أن ينجو بمحتوى هذه المدرسة من الأطفال من كل ما يحيط بالمكان من أخطار وتلوث في القيم التي يؤمن بها كمعلم وتربوي تقليدي، فضلاً عن اهتمامه بكل مشاكل القرية ومساعدة كل ذي حاجة.

ورغم الهدوء الذي يخيم على هذا المجتمع إلا أننا ندرك أنها قريبة من حرب جارية بدأت تتسلل أزماتها وتوتراتها إليها، وحتى هذه اللحظة ليس من اهتمام العمل تحديد من هم أطرافها، فالحرب حرب بغض النظر عن تشخيصها، وستصل نيرانها إلى عتبات البيوت وإلى بواطن النفوس حتى وإن لم تدخل القرية مباشرة، لا اهتمام لسكان القرية بما يحدث، ولا حديث عن الثورة أو عن الصراع الذي انخرطت فيه كل القوى الكبرى والقوى الصغيرة واختلط فيه الحابل بالنابل، وبهذه العينة الصغيرة يُستبطن مفهوم النزوح حين استقبلت فصول المدرسة نازحين من قرى مجاورة، وعبر ما يسكن عيون هؤلاء النازحين من فزع ويأس، تبدأ علامات هذا الخوف بالانتقال تدريجياً إلى ملامح الجميع. يقال أن الثورات تستفز كل ما هو خيّر في الإنسان، لكن الثورة حين تدخل مجال العنف وتتحول إلى حرب تستفز بدورها كل المكابيت داخل الإنسان ويتصارع في داخله الخير مع الشر الذي قد يكون أحد ملاذات النجاة.

ويرصد المسلسل هذه التحولات والصراعات داخل الشخصيات وهو يحاول الإحاطة بمفاهيم التضحية والبطولة، وعبر استخدام عديد التقنيات السردية من حوارات ومؤثرات صوتية وبصرية تتجلى أزمات هذا المكان الكامنة، من فساد مزمن وعلاقات ظالمة وإهمال من الدولة وقصور مؤسسي وخدمي وتسخير القوانين لخدمة النافذين، والتي تبدو قديمة وموغلة في الزمن، وأن الغضب الذي بدأ يظهر على السطح كان يحفر أنفاقه في النفوس المظلمة، وكل ما فعلته نيران الحرب أن أضاءته.

ما يجعل الأستاذ الهادئ الذي لا هم له سوى قريته ومدرسته بطلاً حادثةُ حريق شب في المدرسة التي يسكن بعض فصولها نازحون، ويصعد السطح لينقذ تلميذاً حاصرته النيران، لكن انفجارا يهوي به من السطح بعد إنقاذه للطفل، يصاب بعده بشلل نصفي ويكمل الأستاذ باقي حلقات العمل وهو على كرسي متحرك دون أن يتخلى عن حماسه وتفاؤله وقدرته على النجاة بمجتمعه، غير أن للحرب منطقا آخر، فمعها تأتي الأزمات وتحت ضغط هذه الأزمات يتحول البعض إلى مستثمر فيها، ولا إمكانية للاستمرار في العيش إلا بخرق القانون وارتكاب الأخطاء التي كانت تزعج الأستاذ، وفي لحظة مواجهة تقول له زوجته وهو يتحدث عن (الصاح) بينما القرية تحتاج إلى أقل مقومات الحياة: خبز ومازوت وأدوية: ليس كل صاح هو صاح وليس كل خطأ هو خطأ.

الشخصية الأخرى المقابلة يمثلها فرج الذي أدى دوره ببراعة الممثل محمود نصر، أنجبته أمه في السجن بعد أن قتلت أباه السكير والقاسي وهي حامل به، وخرج من السجن طفلاً بعمر سبع سنوات ليتعرف على العالم الخارجي، يحكي لصاحبه أنه أثناء خروج أمه من السجن قاوم الخروج بضراوة لأنه ألف هذا المكان وخائف مما خارجه، وكان حديثه في سياق تفسير أسباب تشبثه بوطنه الذي يبدو كسجن كبير.

حين عادت به أمه للقرية عاشا حياة ازدراء من سكان القرية التي وضعته وأمه في خانة العار، ما زرع في نفسه ندوباً نفسية جعلته ما هو عليه، وفي زمنه العصيب لم يجد من يقف مع محنته سوى الأستاذ الذي ظل يحمل له هذا الجميل واحتراما خاصاً، وما مر به من ظروف وتأثره بشخصية الأستاذ يوسف ما جعل في داخله صراعا بين الشر والخير ليتحول إلى بطل (مربك) في القرية وبشكل يختلف تماما عن طريق الأستاذ، ودون أن يتخلى عما يسميه البعض «معدنه النظيف» يتحول إلى مهرب للبضائع ثم للبشر ما يجعل له دائرة نفوذ يوظفها في خدمة جيرانه من أهل القرية، وبقدر ما هو مارق ولا يتورع عن فعل أي شيء إلا أن في داخله روحا إنسانية تجعله يقوم بمواقف أخلاقية أربكت محيطه، فهو مزعج لكنه جدع أو «نخوجي» كما وصفه البعض، وإرباك الشخصية الذي يعتري محيطه القريب يتحول إلى متابع المسلسل الذي لا يعرف كيف يحكم على هذه الشخصية.

ما يلفت في الحلقات الأولى أن التصوير كان يحاول أن يقتنص من المكان مشاهد بانورامية جميلة، وبمجرد أن مر دخان الحرب بهواء هذه القرية بدأت الكاميرا تتخلى عن رصد هذا الجمال في الأفق وتقترب أكثر من الغوص فيما يحدث في الأسفل، وفي ملامح سكانها والخوف ينمو في عيونهم، وفي رعشة الأصابع وهي تداعب الموبايلات من أجل أن تتصل بالغائبين دون جدوى، وفي جمع الحطب لطهي القهوة على عجل، ووقع الخطى المريب في الطرقات، والطَرْق المفزع على الأبواب، وأصوات القصف القريبة والبعيدة، وكأنها تقنيات فنية لفيلم رعب.

تتخلل المسلسل قراءة رسالة موجهة باسم (عزيزي يوسف)، دون أن نعرف من كتب الرسالة أو لمن موجهة، وكل ما نعرفه أن الأستاذ اسمه يوسف، والرسالة نص نثري شبيه باليوميات، غير أنه من جانب آخر يبدو كسرد روائي موازٍ للعمل الدرامي ومتأملاً فيما يدور من أحداث وتداعياتها.

ثم نكتشف أن الرسالة التي تُقرأ أثناء العمل موجهة إلى يوسف حفيد الأستاذ لابنته مريم التي أدت دورها ببراعة أيضا الممثلة نور علي، وكان نتيجة لقاء مريم بخطيبها مروان الذي حاول عبور الحدود هربا من التجنيد الإجباري للشبان فقبض عليه وجند وقتل في أول معركة دون أن يطلق رصاصة، وحملت مريم منه في ليلة وصل فيها القصف إلى القرية باعتبار أن عرسهما قريب، لكن الحرب كانت دائما تؤجله، وحين تخبره خطيبته بأن الوطن جميل ولا ترغب في تركه، يقول لها: «بلدنا حلوة بس تخوّفْ».

وحاولت الخروج عبر مهربين لكن فرج حين عرف أزمة حملها غير الشرعي قام بأحد مواقفه المربكة والمستمدة من حبه للأستاذ وعائلته، وتقدم لخطبتها (كي يستر عليها) وتزوجها ما جعل والدها الأستاذ يختفي من القرية بعد أن ترك رسائل لزوجته وأولاده وحفيده يوسف الذي لم يولد بعد. الشخصيتان اللتان تتنازعان مفهوم البطل في زمن ملتبس، إحداهما تختفي من القرية (شخصية الأستاذ)، أما فرج فيُقتل في النهاية، ويظل سؤال هذه النهاية عالقاً، فغالباً ما تكون الدراما وسيلة متخيلة لتحقيق العدالة ولو بشكل افتراضي، وعادة ما تكون الحلقة الأخيرة من هذه المسلسلات نموذجاً للتفكير الرغبوي الذي يعكس رغبة الناس في تحقيق العدالة وإعادة حقوقهم ولو بشكل متخيل، وهو نوع من التطهير الذي اكتشفه المسرح التطهيري منذ بدايته، ولكن هل حقا مثل هذه النهايات لا تحدث إلا في خيال الراوي؟.

أعتقد أنها تحدث أيضا في الواقع وفي التاريخ، ونهايات أنظمة الاستبداد المتلاحقة وبشكل غير متوقع تثبت هذه الإمكانية، ولكن هل فعلا انتهت هذه الأنظمة؟ والإجابة فيما رأيناه من بدائل استخدمت تقنيات هذه الأنظمة نفسها في القمع والسيطرة والفساد، ولا يبقى سوى انتظار نهايات أخرى لها، ونهاية المسلسل تتحاشى هذا النهج التطهيري لأنها تترك كل الأسئلة مشرعة.

مما ورد في رسالة يوسف إلى حفيده يوسف: «الخوف قادر على رسم الطرق لتفضي كلها إلى مكان واحد»، «للخوف قدرة سحرية على تحريرنا من الخوف ذاته. قدرة على تحريرنا أيضاً»، «كيف نفلت كيف ننجو؟ كيف نظل على مبادئنا والزمن نفسه يتغير». «الحقيقة هي أول ضحايا الحروب»، «سنندم يوماً عندما يحركنا عنفنا حتى ولو كان إلى الأعلى»، «أعرف يا يوسف أنك ولدت من حب وخوف ورغبة في النجاة من الزمن العنيف». العمل برمته إدانة للعنف مهما كانت ذرائعه ومهما أحيط بهالات من التقديس، لأن العنف هو عنف، سواء جاء به طغاة أو ثوار، جلادون أو ضحايا، قديسون أو أنبياء أو مستبدون، وكل هؤلاء اجتمعوا في شخصية فرج التي تقاسمت البطولة مع نقيضها شخصية الأستاذ.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»