أخذت أقلب الصفحات، أريد ألتهمها أو تلتهمني، أسبح في عرقي، أمسك بقشة كي لا أغرق، أمواجي تتلاطم، أخرج من باب إلى باب مثل التائه في المرايا المتقابلة، لي أرواح لا تعد، تتطاير مع الانفجارات وتقريعات المحقق التي لا تتوقف، أعاود تلاوة مزامير سفيتلانا الكساندروفنا اليكسييفتش في «صلاة تشرنوبل».. هذا الكتاب ليس عن تشرنوبل، بل عن عالم تشرنوبل، كتبت عن الحادثة نفسها آلاف الصفحات، وصورت مئات آلاف المترات من أفلام التصوير. أنا أشتغل على ما يمكن أن أسميه «التاريخ المغفل»، على الآثار التي لم تترك أثرا لوجودنا على سطح الأرض وفي الزمن، أكتب وأجمع الأحاسيس اليومية المعيشة والأفكار والكلمات.
أحاول الارتقاء لأكون روحا، وأكتب عن الحياة المعيشة للناس العاديين، هنا كل شيء غير عادي: الظروف والناس وكيف أجبروا على أن يكونوا، رفعوهم ليصبحوا بمستوى الظروف، عندما عمروا الفضاء الجديد، تشرنوبل بالنسبة لهم ليس استعارة ولا رمزا، هو بيتهم كم مرة أجرى الفن بروفات على الرؤيا، وجرب سيناريوهات تكنولوجية متعددة ليوم القيامة، لكننا الآن نعرف بدقة أن الحياة ستكون أكثر غرابة.
سألني أحدهم بعد سنة من الكارثة: الجميع يكتب، وأنت تعيشين هنا ولا تكتبين، لماذا؟ أنا لا أعرف كيف أكتب ذلك، بأية وسيلة، ومن أين تدخل إذا كنت في السابق، عندما كتبت كتبي قد نظرت عميقا في معاناة الآخرين، فأنا وحياتي الآن أصبحنا جزءا من الأحداث نفسها. فقدنا بصيرتنا جميعا، ولا يمكننا الابتعاد إلى مسافة ما عما جرى، اسم دولتي الصغير الضائع في أوروبا، تلك التي لم يعرف عنها العالم تقريبا أي شيء من قبل، رن في جميع اللغات، وتحولت إلى مختبر تشرنوبل الشيطاني. أما نحن البيلاروسيين فأصبحنا شعب تشرنوبل.
ما من مكان أظهر فيه الآن إلا وينظرون لي بفضول سائلين: هل أنت من هناك؟ ماذا حدث عندكم؟ طبعا كان يمكن كتابة كتاب بسرعة، مثل تلك الكتب التي صدرت فيما بعد، الواحد تلو الآخر – ماذا حصل تلك الليلة في المحطة؟ من المذنب؟ كيف أخفوا الحادث عن العالم وعن شعبهم؟ كم احتاج الأمر من أطنان الرمل والأسمنت لتشييد التابوت فوق المفاعل الذي يتنفس الموت، لكن شيئا ما استوقفني، قبض على من يدي، ماذا؟ الإحساس بالسرية، هذا الإحساس الذي استقر فينا، وخيم حينها فوق كل شيء: أحاديثنا، وتصرفاتنا، ورعبنا مما أعقب الحادث مباشرة.
الحادث الوحش الضخم أظهر لدى الجميع إحساسا يمكن التعبير عنه أولا بأننا اصطدمنا بالمجهول، تشرنوبل هو سر، يتعين علينا حله، هو رمز غير مفسر، لعله لغز القرن الحادي والعشرين، وتحد له. لقد أصبح واضحا، فما عدا التحديات الدينية والقومية والشيوعية التي نعيشها ونتخطاها اليوم، تنتظرنا تحديات أخرى أكثر وحشية وشمولية، لكنها مازالت خافية عن العين. إلا أن شيئا ما بدأ يتكشف بعد تشرنوبل.
تلبسني شيطان محامٍ في مواجهة محاكمة النائب العام فيها المتهم الذي يريد أن يتهمني بكل مصائب العالم، قال لي: أنتم من نشر الإيدز في بلادنا؟ ممرضاتكم من حقنوا أطفالنا المرضى في مستشفى الأطفال ببنغازي، كدت أسقط مصروعة من هذه الصرعة التي لم أسمع بها بالمرة، فلم أكن قبل مهتمة حتى بنفسي، قلت لنفسي: هذا الأهوج يريد أن يبرئ نفسه من جرائم ما يرتكبون الساعة، وما ارتكبوا خلال أربعة عقود سيطروا فيها على البلاد.
كمهووسة فتشت في الإنترنت: قضية ضحايا الإيدز في ليبيا، وهي قضية تورط فيها خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني، كانوا يعملون في مستشفى الفاتح للأطفال بمدينة بنغازي في ليبيا، حيث اتهموا بحقن أكثر من 400 طفل ليبي بدم ملوث بفيروس الإيدز.
استمرت القضية 9 سنوات، من سنة 1998 إلى 2007، عندما وصلت مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية بينيتا فيريرو فالدنر، وسيسيليا ساركوزي، الزوجة السابقة للرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي، إلى ليبيا، للتفاوض بشأن إطلاق سراح الممرضات. وفي 24 يوليو 2007، نُقل الستة جميعهم إلى بلغاريا، ووضعوا تحت الحجز. ولاحقًا، رئيس بلغاريا أعفى عنهم، بعد أن كان القضاء الليبي قد أصدر عليهم حكما بالإعدام.
توفي نحو 56 من الأطفال المصابين بحلول أغسطس 2007، وارتفع عدد الضحايا إلى 131 عام 2022. كما تم إنشاء صندوق خاص لتعويض الضحايا تحت اسم «صندوق بنغازي لجبر الضرر للأطفال الضحايا»، وصلت قيمته إلى 600 مليون دولار، وشاركت في تمويله دول مثل بلغاريا والتشيك (نحو مليون دولار أمريكي لكل ضحية). وعقب الإفراج عنهم، تم عقد شراكة في مجالات مختلفة بين ليبيا وفرنسا، حيث وقع الرئيس ساركوزي في أثناء زيارته ليبيا على مشروع شراكة في مجال الطاقة النووية!
لم أقل له إن المجرمين حلفاء في الأخير ودم الضحايا على يد السلطة، وإن تدمير الحياة الذي تسهم فيه بلادي لا يبرر جرائمهم، لم أقل ذلك ليس خوفا ولا لأي حسابات سياسية، لكن لا جدوى من قول ذلك لأمثالهم فحسب. لليلة كاملة وجدت نفسي مرمية على الأرض نائمة شبه عارية، منكمشة في وضع الجنين، أو كما صرصار كافكا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات