Atwasat

العامل الاقتصادي والتحولات الاجتماعية

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 16 مارس 2025, 01:11 صباحا
عمر أبو القاسم الككلي

كتب محمد بوسعيدة* مقالاً بعنوان «ما لم يقله «عمر الكدي» عن العبودية والنساء: هل يفسر الاقتصاد وحده التحولات الاجتماعية؟» يناقش فيه مقال عمر الكدي** «النساء والعبيد»، إذ يقول محمد بوسعيدة «ولأهمية هذه القضية التي طرحها «الكدي» وجدت أن المقال يستحق قراءة تحليلية نقدية، ليس من باب التضاد مع طرحه، بل من باب التكامل وإثراء النقاش».

وهذه ظاهرة صحية نتمنى أن تأخذ مكانها اللائق في حياتنا الفكرية لأنها تثري رصيد الحركة الثقافية الوطنية الليبية. المهم في الأمر الالتزام بلغة الفكر وآدابه ومنهجياته في الحجاج.

ينطلق محمد بوسعيدة في حجاجه مع مقال الكدي من أن الأخير يستند «في تحليله لقضية تحرر العبيد والنساء إلى التفسير الماركسي المادي للتاريخ، الذي يربط التغيرات الاجتماعية بتحولات أنماط الإنتاج». وسلم بأن «...هذه مقاربة صحيحة إلى حد كبير، ولها وجاهتها التفسيرية، فالتحولات الاقتصادية تؤثر بالفعل على البنى الاجتماعية والسياسية». لكنه يبدي تحفظاً واضحاً على هذا المنحى بالقول «مع ذلك، لا يصح اختزال هذه التغيرات في العامل الاقتصادي وحده، وإغفال الجوانب الإنسانية والثقافية التي تؤدي أيضاً دوراً جوهرياً لا يقل أهمية عن البُعد المادي».

ويقرر أنه لا يجوز «التقليل من شأن النضال الإنساني ودور الحركات الفكرية والحقوقية في قضية تحرير العبيد وتمكين المرأة» لأن هذا يمثل «تبسيطاً مخلاً، فضلاً عن كونه إجحافاً بحق جهود نضالية سعت إلى ترسيخ قيم الحرية والمساواة، واختزال هذه المكاسب في مجرد نتائج حتمية للتحولات المادية، يطمس أبعادها الإنسانية والأخلاقية».

ويؤكد على أن العبيد والنساء «لم ينتظروا تحولات الاقتصاد لكي ينالوا حقوقهم، بل خاضوا نضالات طويلة ومريرة، بلغت في بعض الأحيان حد الثورات المسلحة التي أُريقت فيها الدماء وزُهقت فيها الأرواح»، ضارباً المثل بثورة سبارتاكوس في العهد الروماني وثورة الزنج في العصر العباسي، وهما ثورتان للعبيد، وثورة توسان لوفوتر في التاريخ الحديث، «التي أدت إلى إلغاء العبودية في «هاييتي»، واستقلال أول دولة يحكمها العبيد المحررون في التاريخ».

لكن، لنناقش المسألة من منطلق قاعدي: يحدد ماركس أساسين لوجود الطبقة الاجتماعية: 1- وجودها المادي في الواقع الاجتماعي المحدد تاريخياً. و2- وعيها بذاتها بأنها طبقة. أي وعيها بموقعها في عملية الإنتاج وعلاقات الإنتاج في الشروط التاريخية المعينة.

إلا أن هذا الوعي لا ينبثق فجأة، وإنما هو سيرورة Process تبطيء حيناً وتسرع حيناً، ويحدث خلال هذه العملية أن يحوز بعض أفراد هذه الطبقة (نسميهم الطليعة) وعياً متقدماً بوضعهم الطبقي وبوضع طبقتهم السيئ فيعبروا عن حالها وطموحاتها وآمالها في إنتاج فكري يبدأ السريان، متدرجاً تارة ومتسارعاً تارة أخرى، في أوساط الطبقة المعنية، إلى أن يتحول هذا التراكم الكمي إلى حالة كيفية، أو ما يعرف في العلوم بالنقطة الحرجة Crucial point.

وهنا نطرح سؤالاً نراه مهماً: ما الذي جعل أعداداً كبيرة من طبقة العبيد (في ثورتي سبارتاكوس والزنج) تلتف حول قادتها وتغامر بمصيرها؟
إنه وعيها بوضعها الطبقي.. بموقعها في عملية الإنتاج الاقتصادي وموقعها في علاقات الإنتاج، ووعيها بالظلم والإجحاف الواقعين عليها، لأن علاقات الإنتاج القائمة تحرمها من الاستفادة من مردود عملها. وبطبيعة الحال يحدث أن تفشل هذه الثورات وتجهض مثلما حدث في ثورتي سبارتاكوس والزنج وغيرهما من الثورات الأخرى.

وإذن، فالمسألة هنا لا تتعلق برد فعل ميكانيكي حتمي يحدث بمجرد وجود الطبقة. وإنما هو ناتج تفاعل بين وجود الطبقة (العامل الاقتصادي) وما يتولد عنه من ثقافة، وقد يحتضن عناصر ثقافية أخرى سارية من ثقافة متحررة لطبقات أخرى، مثلما احتضنت الطبقة العاملة الحديثة قيم الحرية والديموقراطية التي نادت بها البرجوازية الأوروبية قبل أن تتحول إلى رأسمالية ثم إمبريالية.

فالحتمية إذن، لا توجد كمعطى ماثل سلفاً، هذه مقولة ميتافيزيقية، ولكنها توجد بعد اكتمال الواقعة. أثناء السيرورة تدخل عوامل أساسية وعوامل فرعية وعوامل داخلية وأخرى خارجية في تفاعل وتضافر مفتوحة على أكثر من احتمال، وعندما يكتمل الحدث ويصبح ناجزاً نقول عنه أنه توفرت له العوامل الأساسية والعوامل الثانوية والداخلية والخارجية التي جعلت هذه النتيجة حتمية، أو العكس، أي أنه لم تتوفر له العوامل المذكورة ما حتم إجهاضه. فثورتا سبارتكوس والزنج، مثلا، لم يتوفر لهما ما يكفي من هذه العوامل، وبالتالي تحتم فشلهما، في حين أنها توفرت لثورة توسان لوفوتر فتحتم نجاحها.

بطبيعة الحال، ليس كل من يدافع عن حقوق طبقة معينة ومصالحها يكون متحدراً من هذه الطبقة، فماركس وإنغلز، مثلا، لم يكونا منتميين إلى الطبقة العاملة التي كرسا حياتهما للدفاع عنها وإيجاد نظرية نضالية تنظم سبل هذا النضال. إذ كان ماركس منتمياً إلى البرجوازية الصغيرة وكان إنغلز رجل أعمال، أي برجوازي. ومع ذلك لم يكونا ليفكرا ما فكرا فيه لولا وجود الطبقة العاملة ذات الوضع الاقتصادي المحدد المشروط تاريخياً.

عليه، فالعامل الاقتصادي عامل قاعدي محدد يتفاعل مع عناصر ثقافية وليدة وقائمة ليشكل حالة اجتماعية جديدة.

* https://alwasat.ly/news/opinions/469087?author=1
** https://alwasat.ly/news/opinions/467422?author=1



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»