Atwasat

تغيير الأخلاق وحده لا يصنع التغيير

عمر الكدي الإثنين 10 مارس 2025, 01:17 مساء
عمر الكدي

شكرًا للأستاذ محمد بوسعيدة على رده على مقالي «النساء والعبيد»، بمقاله في بوابة الوسط «ما لم يقله الكدي عن العبودية والنساء. هل يفسر الاقتصاد وحده التحولات الاجتماعية؟»، وهو مقال تحليلي نقدي يثري النقاش حول قضية حساسة، لا يزال المجتمع الليبي لا يجد الجرأة على الخوض فيها، ويكتفي بالتواطؤ على تجاهلها وكأنها لا توجد وأقصد تاريخ العبودية في ليبيا، أما وضع النساء فلا يتردد أبدًا، فقد استحدثت حكومة الدبيبة شرطة آداب لملاحقة النساء، وكانت هذه الشرطة موجودة في السبعينيات، قبل أن يغير القذافي رأيه ويتحول إلى «محرر النساء».

بوسعيدة يرى أن التغيير الاقتصادي وحده غير كاف لتغيير العلاقات الاجتماعية، وأن الأخلاق تلعب دورًا مهمًا في هذا التغيير، بالإضافة إلى النضال السلمي والثوري المسلح لإحداث هذا التغيير، ويضرب مثلًا بثورة سبارتاكوس في العصر الروماني، وثورة الزنج في العصر العباسي، فهل نجحت هذه الثورات في تحقيق التغيير؟ وهو خلاف يذكرني بالسجالات التي أعقبت صدور كتاب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» عام 1905، والذي يرى فيه أن الأخلاق، وخاصة الأخلاق التي ارتبطت بالمذهب الكالفيني البروتستانتي، هي التي ساعدت على ظهور الرأسمالية، وبعد مرور 120 سنة على ظهور كتاب فيبر، يمكننا ملاحظة أن المجتمعات البروتستانتية في شمال أوروبا، أكثر تقدمًا من الشعوب الكاثوليكية والأرثوذوكسية في جنوب القارة، ولكنها أيضًا تخلت عن الدين تمامًا في الشمال، وحتى في الجنوب تخلت الأجيال الشابة عن التزمت الديني الذي ميز الأجيال السابقة، ولكن ماكس فيبر نفسه لم يقل إن الأخلاق هي المحرك الأول، هو في الحقيقة نظر إلى الموضوع من خلال تخصصه كعالم اجتماع، أما ماركس فنظر إلى الموضوع من خلال تخصصه كعالم اقتصاد.

وفي النهاية فقد كسبنا الاجتهادين، ولكن الأخلاق لا تتغير إذا لم تتغير أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج، ولهذا بالرغم من كل الآيات القرآنية التي تحض على عتق العبيد، ظلت العبودية قائمة بعد الإسلام حتى منعتها بريطانيا في القرن التاسع عشر.

تؤكد الوقائع التاريخية أنه لا يمكن أن يولد النظام الرأسمالي من رحم النظام الإقطاعي، إلا بمساعدة من الإصلاح الديني والتنوير. الإصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر في ألمانيا وجان كالفن في جنيف وإيراسموس في هولندا، وجه نقدًا للكنيسة الكاثوليكية واعتبر أن العلاقة بين الله والمؤمن علاقة مباشرة، لا تحتاج إلى قس يتوسط بينهما. كان الكاثوليكي يرتكب ما شاء من الخطايا، ثم يمحوها يوم الأحد، عندما يعترف بها أمام القس، ويعود ليرتكب نفس الخطايا، ولكن إلغاء دور القس في المذهب البروتستانتي جعل المؤمن مباشرة أمام الله، وليس أمامه فرصة لمحو خطاياه كل أسبوع، ولهذا ظهر مبدأ الإخلاص والتفاني في العمل، مما ساعد في تحقيق المزيد من الأرباح ومراكمتها، وعندها رأى كالفن أن الربح علامة على رضا الله، وهذا مهد لعصر التنوير وبالتالي تغيير طريقة التفكير السابقة بشكل جذري، فلم تعد تفسيرات الكنيسة للظواهر الطبيعية كافية، وإنما ما يؤكده العلم والتجربة.

تغيير التفكير وليس تغيير الأخلاق هو الذي عجل بظهور النظام الرأسمالي، ولكن أخلاق البروتستانت لم تمنعهم من إبادة واستعباد بقية الشعوب ونهب ثرواتها.

يُروى أن الصحابي بلال بن رباح استأذن الخليفة أبا بكر في الخروج إلى الشام، فقال له أبوبكر ومن يؤذن لنا، فقال بلال وعيناه تفيضان بالدمع، إن كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد، وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له، فقال أبوبكر بل أعتقتك لله، فسافر إلى الشام ورابط هناك. ففي زمن أبي بكر لم تخرج جيوش المسلمين إلى الشام، بل انشغلت فيما سمي بحروب الردة، ولم تصل جيوش المسلمين إلى الشام إلا في عهد عمر بن الخطاب، فهل فضل بلال الإقامة في بلاد غير بلاد المسلمين؟ وله مقام القرب من عمان في الأردن، بينما ترجح بعض المصادر وفاته ودفنه في دمشق سنة 20 هجرية. لم يغير الإسلام أخلاق المسلمين فهل ستغيرها أخلاق البروتستانت؟ وعندما كنت في ليبيا سمعت عدة مرات من يسخر من السود، قائلًا لم يصلوا إلا إلى مرتبة مؤذن.

وذات مرة دعي الفريق يوسف الدبري إلى حفل زفاف في زوارة، وشغل الدبري مناصب قيادية في جهاز المخابرات وفي الإعلام، وهو عضو فيما سمي بتنظيم الضباط الوحدويين الأحرار، وقبل أن تقدم قصعة البازين للضيوف، تقدم شاب من زوارة ليسكب الماء على أيدي الضيوف، وعندما وصل إلى يوسف الدبري امتنع عن سكب الماء، قائلًا لن تكتب علي هذه، والغريب أن الدبري بالرغم من سواد بشرته لا يصنف عبدًا في مسقط رأسه بهون، ولكنه يصنف عبدًا في زوارة. هذا لم يحدث في زمن بلال بن رباح وإنما حدث في الثمانينيات أو التسعينيات في القرن العشرين، بعد إلغاء العبودية بأكثر من قرن ونصف.

عندما تتغير أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج لا تتغير الأخلاق فورًا، بل تحتاج إلى زمن أطول لتتغير، ولأن نمط وعلاقات الإنتاج في ظل الإسلام ظلت خراجية ريعية لم تتغير الأخلاق، ولأن جميع المجتمعات العربية لم تنتقل إلى الرأسمالية ولا حتى للإقطاع الكامل، بل لا تزال تخضع للنمط الريعي، ظلت الأخلاق كما هي وظلت القيم نفسها، تتسلل من خلال الأمثال والنكت، حتى عندما حكم كافور الإخشيدي مصر، وهو عبد مخصي اشتراه الإخشيدي حاكم مصر من زيات في القاهرة، ظلت العبودية موجودة في مصر، فحتى عندما تتغير أنماط الإنتاج تظل القيم والأخلاق التي ظهرت في نمط الإنتاج السابق قوية، وهذا ما حدث في ليبيا حيث خضع الجميع لنمط الإنتاج الريعي، ولكن البدوي والحضري والريفي حافظوا على قيمهم وأخلاقهم، وفي مثل هذه الظروف يستعير المجتمع قيمًا من خارجه، ليحاول الناشطون تجذيرها في تربته، مثل منظمات المجتمع المدني والأحزاب والجمعيات النسائية، ولكن هل نجحت كل هذه المنظمات في تغيير طوبة واحدة في هذا المجتمع؟ وهل نجحت الشعارات التي رفعت في انتفاضة فبراير أم انتكست؟ بالتأكيد انتكست لأن الاقتصاد لا يزال ريعيًا، بل إن بعض منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام تحولت إلى منظمات ريعية، إذا غاب الممول توقف نضالها.

قبل ماكس فيبر أصدر الفيلسوف الألماني فرديريك نيتشه كتابه المميز «جينالوجيا الأخلاق» عام 1887، الذي أكد فيه على أن الأخلاق صناعة إنسانية، وقسمها إلى قسمين «أخلاق السادة وأخلاق العبيد»، والجينالوجيا هي علم الأنساب، وبدلًا من الأنساب بمفهومها العربي القبلي، تعقب نيتشه أنساب الأخلاق في الزمن المسيحي وفي الزمن الحاضر، سأكتفي بنقل هذا المقطع من كتابه الذي نزع فيه عن الإنسان ورقة التوت: «اليوم وكما دائمًا، يمكن تصنيف الناس ضمن مجموعتين: العبيد والأحرار. كلّ من لا يملك ثلثي يومه لنفسه فهو عبد أيًّا كانت هويته: رجل دولة، رجل أعمال، موظف أو باحث».

نيتشه هنا يتحدث عن الأخلاق وليس نمط الإنتاج، ولكن ما معنى «من لا يملك ثلثي يومه لنفسه فهو عبد»، إنه يتحدث عن علاقات الإنتاج بغض النظر عن العصر. هل الإنسان حر اليوم في ظل هذه الثورة الرقمية؟ في الحقيقة أصبح عبدًا للآلة أكثر من إنسان الثورة الصناعية، بل وأصبح مراقبًا أكثر من ذي قبل، الثورة الرقمية استغنت حتى عن رأس المال، الذي جعله ماركس مربط الفرس في كتابه «رأس المال»، فشاب عبقري صغير يمكنه أن يصنع ثروة خرافية إذا اخترع خوارزمية جديدة، ولكنه لا يستطيع تغيير علاقات الإنتاج، ولا يستطيع تغيير آليات السلطة فهي لا تزال تعتمد على القوة ورأس المال والمؤسسة الدينية، وهذا يفسر صعود حاكم وسمسار عقاري مثل دونالد ترامب ومستثمر في التكنولوجيا الجديدة مثل إيلون ماسك، فهل تغيرت القيم الأخلاقية لهذين الاثنين؟ أم أنها لا تزال كما وصفها نيتشه أخلاق السادة والعبيد.

لقد استشهدت بماكس فيبر ونيتشه ولم أستشهد بكارل ماركس، لأن ماركس مزيج من الفيلسوف وعالم الاقتصاد والأيديولوجي والثوري، ولم يبق منه إلا الاقتصادي كما في كتابه رأس المال، وخاصة تحليله لأنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج، ونظرية فائض القيمة، فبدونه ما كنا نستطيع تحليل ظاهرة الرأسمالية، وغير ذلك طواه النسيان وحتى الأحزاب الشيوعية، وخاصة العربية، أصبحت كيانات مضحكة، يؤمن أعضاؤها بمقولات لم يقلها حتى ماركس، ولكن سمعوها من الرفيق قائد الحزب، إنهم أشبه بلجان ثورية يستمعون في المدرج الأخضر لهذيان مؤلف الكتاب الأخضر.

اليوم يستخدم العرب والليبيون كل أنواع التكنولوجيا الحديثة، ولكن معظمهم، حتى حملة الشهادات العليا، لا يزالون يفسرون الظواهر الطبيعية مثلما كان يفسرها أجدادهم، ويحملون نفس القيم الأخلاقية التي حملها الأسلاف، لأن أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج لم تتغير، والأخلاق والقيم مهمة، ولكنها أشبه بالبهارات في أي طبخة، فإذا لم توجد الطبخة فلا معنى لوجود البهارات.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»