ظلت الساحة الثقافية الليبية منكمشة على ذاتها طوال العقود الماضية رغم الكثير من التجارب المهمة والمتميزة، وأعتقد أن عوامل كثيرة أسهمت في ذلك، لعل أبرزها الانغلاق الذي عانته ليبيا لعقود طويلة، وضعف مؤسسات الإنتاج والنشر نتيجة الإهمال الحكومي الذي عانته تلك المؤسسات، والرقابة الشديدة على الإنتاج الثقافي وسياسات المنع التي مارستها الأجهزة الرقابية والأمنية، ثم هيمنة السياسي على الثقافي وتحويل العمل الثقافي إلى «بروباغندا» سياسية.
هناك أيضا عامل آخر لم تعانِ منه الثقافة الليبية فقط بل شمل كل أقطار المغرب العربي ودول الخليج وهو ما أسميه «المركزية المشرقية» التي سادت طوال القرن العشرين والتي هيمنت على المشهد الثقافي العربي وقادته إلى هذا الخراب والانحطاط إثر هيمنة مشروعها الثقافي «بقيادة العسكر» وانهيار هذا المشروع بهزيمة 1967م.
الثقافة الليبية كانت وما زالت مخنوقة من الداخل ومحاصرة من الخارج على الرغم من المحاولات الفردية التي تمكنت من اختراق جدران العزلة والحصار وحققت الانتشار العربي والعالمي وأظهرت إمكانات الثقافة في ليبيا كتجارب «إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه والصادق النيهوم وهشام مطر وخالد مطاوع»، وأيضا ما حققته الموسيقى الليبية عبر هامش صغير أثر في الموسيقى العربية نهاية القرن العشرين عبر تجارب «حميد الشاعري وناصر المزداوي وأحمد فكرون».
ما ينقص الثقافة الليبية الآن هو المناخ الثقافي الحر، منح الناس والمثقفين خاصة الحق والبراح للتعبير عن رؤاهم وآرائهم والحد من سطوة الرقابات المتعددة والمتناقضة على الإنتاج الثقافي، كنا في عصر الفاتح نتصارع مع رقابة واحدة الآن نحن نصارع رقابات متعددة ومتناقضة أحيانا، فالقبائل تراقب والثوار يراقبون وأنصار الفاتح يراقبون والأقاليم تراقب، رقابات متعددة ومتناقضة، فما تسمح به إحداها تحرمه الأخريات.
الثقافة في ليبيا تعاني ومنذ عقود، عدم وجود البنية التحتية للثقافة كالمسارح وقاعات العرض والمطابع، مما جعل الإنتاج الثقافي معزولا وغير قادر على الوصول للناس، «بذور بلا حقل»، وصارت إقامة المعارض والمهرجانات الثقافية، أمرا شبه مستحيل.
الفرق المسرحية والإنتاج السينمائي والفنون الشعبية والتشكيلية ودور النشر وشركات الإنتاج الخاصة والعامة لا تتلقى أي دعم مما جعلها عاجزة عن تنفيذ مشاريعها، إننا وبكل أسف وبعد نصف قرن من التجريف الثقافي بحاجة للتأسيس من جديد.
هذا التأسيس لن تقوم به إلا دولة وحكومات وطنية، تدرك أن «كيان الدولة» لا يمكن أن يبنى متماسكا وقادرا على إنجاز النهضة وتحقيق طموحات شعبه إلا بثقافة وطنية مستنيرة وديمقراطية.
الضوء الوحيد في النفق الثقافي المظلم رغم كل المصاعب الموروثة والجديدة بعد ثورة فبراير فيما يخص الثقافة الليبية هو ظهور أصوات شابة وجديدة في الشعر والقصة والرواية والأغنية والفنون التشكيلية والمسرح والدراما والسينما، مجتهدة وواثقة ومؤمنة بمستقبل أفضل وتحقق رغم كل الظروف والمعوقات منجزات ثقافية رائعة. إنهم الربيع الحقيقي الذي بدأت زهوره في التفتح وندعو الله ألا يتم قطافها، وأن تتوافر لها عوامل الاستمرار والتقدم، وأن تتمكن من الوصول للناس.
هذه الأصوات الشابة والطموحة التي أعلنت عن نفسها وعن طموحاتها الأدبية والفنية، كان من الطبيعي أن تصاحبها وتساندها أصوات شابة وطموحة في السياسة والقيادة، وفي الجامعات ومراكز البحوث تعلن عن وجودها ومشاريعها لبناء وطن حديث وديمقراطي، ولكن وإلى الآن ووسط هذه الفوضى السياسية والتشرذم والفساد، لا نرى إلا شراذم سياسيين محافظين تحركهم قبائل وثقافة العصر الحجري، وتسعي لخنق وإلغاء هذه الأصوات، وإطفاء مصباحها وسد النفق.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات