(نعم سوف نحيا
نعم لن نموت. ولكننا
سنقتلع الموت من أرضنا)
معين بسيسو
أيها الرئيس ترامب.
عندما يهبط الليل ويغطي الدنيا عندنا في غزة يعضني الصقيع وينتابني مع الكثيرين الجوع والعطش والسعال والوحدة وغبار الركام الذي فوقنا. ثم تملأني الوحشة وأشعر بأنني متوحد وحدة كاملة وأنني في الوقت ذاته غريب عن هذا العالم. وأنني لست منه. وأنني مجرد إنسان بائس مفعم بالأحزان والمرارات.
يا أيها الرئيس. عندما يهبط الليل مسوداً وموحشاً هنا في غزة وسط الركام.. تنبعث رائحة الجثث والموت وتختلط مياه المطر بالدماء ومياه المجاري وأحجار الخرائب والظلام والدمار. وأعرف مع ذلك أن الله الذي لا تعرفه معي ومع أمثالي هنا وفي كل العالم المظلوم المفجوع من تصرفاتك وتصرفات بلادك الكبيرة تجاهنا.
ويا أيها الرئيس المهيب عندما يهبط الليل نغرق في الرماد وينهش الحزن صدري وتعوي الذئاب من بعيد وتنبح الكلاب وسط الجثث من قريب وأحياناً يلوح القمر من بين الشقوق مخيفاً وأسود مثل الليل هو الآخر. فلا قمر في غزة. ولا دفء. ولا أمان. وأنت وغيرك على امتداد العالم الطويل العريض تنعمون في توهج الأضواء وتتقلبون في الفراش وتتبادلون الأقداح والحكايا والضحكات. وتشاهدون الأخبار وبرامج السهرة في القنوات. وتروننا تحت الركام بعين عوراء. وتتمتعون بكل الخيرات المتاحة وتشرعون في التخطيط في بيعنا.. وفي ضياع مستقبلنا وركلنا خارج الحدود. فلماذا يحدث هذا يا أيها الرئيس الذي نصفه جنون ونصفه الآخر جحيم يلتهب بلا انقطاع؟
أنا أعرف هنا من تحت الركام وأنت هناك بجوار حطب المدفأة في هذا الصقيع الذي لا تتحمله بالطبع.. أعرف أن بلادك قوية ومتينة.. أكثر قوة ومتانة من خرائبنا وركامنا وأجسادنا وحزننا وجوعنا وعطشنا. هذا صحيح. وأعرف أن الصحيح في المقابل أيضاً أن بلادك التي تحلم بمجدها على الدوام لها تاريخ يقوم على العدوان والمصالح والسلاح والمؤامرات والمخابرات والعقارات والأسواق المالية والعملاء. وبعد شاي المساء وقطعة الكيك تعتقد مع مستشاريك وخبرائك أننا قابلون للبيع في سوق الشرق الأوسط وأننا سنموت ولكن تنسى أيها الرئيس البانديتي أن جذورنا قوية في أرضنا وأننا لسنا بضاعة في الموانئ وأننا سنبقى ولن نموت. هذه حقيقة صادمة لتفكيرك الفارغ التعيس. أجدادك حضروا من البعيد. وهجروا وأبعدوا السكان الأصليين من الهنود الحمر. هل تعرف الهنود الحمر الذين يرقصون حول النار ويعشقون الحرية. ثم جلبتم العبيد الأفارقة تحت السياط والأسفاط. التهجير فلسفتكم منذ الأزل. وتريدون فعل ذلك معنا هذه الأيام. تريدون اقتلاعنا مثل نبات الفجل من غزة.
هل تعرفها أيها الترامب. هل تعرف حي النصيرات والشجاعية ومخيم الشاطئ وشارع عمر المختار وقبر هاشم جد رسولنا العظيم الذي نشر رسالة الخير وقيم السلام. هل تعرف الإمام الشافعي صاحب الرسالة والأم. أصول وفروع الفقه. هل تعرف ذلك. هل تعرف غزة التي أصابت قرني شمشون الجبار.. الصهيوني القديم وجعلته يجر طاحون معاصرنا وهو يلتوي كما تقول المصادر. أنت تجهل التاريخ ولا تعرفه.
منذ سبعين عاماً من الآن.. تحديداً العام 1955 كان ثمة تفكير لتفكيك المخيمات وترحيلها للتوطين في سيناء. مشروع سمي بمشروع سيناء هناك في الصحراء والأراضي القاسية. مات المشروع وأسقطته غزة ورجالها العمالقة الذين لا تعرفهم ولم تسمع بهم وأنت تحلم بشرائها وإقامة الرييفيرا والشاليهات الطافحة بالمعاصي والعار. هل تعتقد سينجز بسهولة. عليك أن تتذكر شمشون وقرنيه وطاحونة الحجر في معاصرنا وسط البيارات. نحن لسنا ربطات من الفجل. نحن ننهض من الركام ونبصق في وجوه المشاريع وشاليهات الحلم التافه. غزة ليست شاليهاً أيها الرئيس في البيت الأبيض بجوار المدفأة. نحن نقف ونقول لا. قرارنا أقوى منك ومن كل صفقات البيع ومن كل شاليه. لا نموت. نسغ الحياة يستمر وينهض ويكبر في المخيمات وتحت الركام وعبر الأغبرة ورائحة الجثث.
المشكلة القديمة والجديدة أنك وبلادك المهيبة لا تعرفوننا جيداً. أنتم ناقصو تاريخ ومعرفة وعقل. أنتم لديكم القوة والكبرياء والعجرفة. ولديكم المشاريع الكاذبة التي تقارب أن تصل بالعالم وسكانه إلى قعر لا حد له. لديكم مشاريع ومبادئ نيلسون رئيسكم الثامن والعشرين عن الحرية والمساواة العام 1918 التي لم يتحقق منها شيء للمساكين أمثالنا. لديكم مبدأ ترومان. ومشروع مارشال. وحافة الهاوية لجون دالاس وزير خارجيتكم ذات يوم. ومشروع سد الفراغ لرئيسكم السابق أيزنهاور ومشاريع كيسنجر والفوضى الخلاقة والانحياز المخجل الى إسرائيل ثم مشروعك أنت القادم على رائحة الشاليهات ووعود الصفقات.. مشروعك الذي ينفتح على الجحيم مباشرة. أنت أيها البانديتي تهدد العالم. أنت قنبلة موقوتة. أنت مشروع قابل للانفجار مثل ديناميت. وكل الدنيا بدأت تقف في وجهك يا أيها الجالس عند حافة مدفأة البيت الأبيض. ويلعنك سكانها واحداً واحداً ويتمنون أن تموت قبل أن تفتح عليهم بوابة الجحيم.
وأنا هنا تحت الركام ألعنك وأبصق في وجهك. في وجه مشاريعك. في وجه شاليهاتك وموائد القمار ورائحة الويسكي وطاولات البلياردو وحفلات الرقص على جثثنا ومقابرنا ومستقبلنا. أنا في هذا الليل الموحش.. في هذا العالم الذي لا يسمعني ومن تحت الركام أقول لك.. لسنا للبيع. لسنا مشاريع للصفقات أو بضاعة فوق الرصيف. نحن أكبر منك ومن بلادك ومن تاريخها المليء بالحماقات والخجل. ثم بعد ذلك من تحت الركام يا أيها الرئيس ألعنك بلا توقف وأقول بملء شفتي.. لتذهب وحدك إلى الجحيم. مشاريعك ستمضي إلى قمامة التاريخ. لا تنس ذلك قبل أن يحرقك حطب المدفأة.. أو قاع السعير!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات