«كذلك الجرنال الفرنساوي متوقف على إذن السيادة، لأن مواده حاضرة اليوم مدة شهر لم يطبع والخدمة الذين بالمطبعة، معاشهم متوقف»: حسونة الدغيس الليبي في رسالة إلى الصدر الأعظم في الأستانة عام 1826م، كان حسونة مؤسسًا للصحافة باللغة الفرنسية في الإمبراطورية العثمانية، في هذه الرسالة يشتكي حسونة، الذي كان أول رئيس تحرير لأول صحيفة بالفرنسية في الدول الإسلامية، من عدم توفر الإمكانات، كتبت هذه الرسالة عام 1836م قبيل وفاته في 17 ديسمبر من نفس العام، بعد أن عاش حسونة الدغيس حياة من الصراع الثقافي والسياسي، وبعد أن عاش هاربًا بين باريس ولندن والأستانة. وقد ترجم إلى الفرنسية كتاب «المرآة» لمؤلفه الجزائري حمدان الخوجة، ويعد هذا الكتاب بمثابة الكتاب الأبيض في المسألة الجزائرية. كذلك ترجم عن الفرنسية للغة العربية السائدة آنذاك ـ كما يظهر ذلك في الشذرة التي اخترناها من رسالة حسونة أعلاه ـ كتاب فتل VATTEL وهو ليس فقط بحثًا في حقوق الإنسان بل أيضًا دائرة معارف للحقوق المدنية كما يشير الدكتور عبد الجليل التميمي.
عاش حسونة الدغيس حياة من الصراع الثقافي والسياسي، وبعد أن عاش هاربًا بين باريس ولندن والأستانة، حدث ذلك إثر مؤامرة لعزله من منصبه كوزير للخارجية، ولبث الشقاق بينه وبين حاكم ليبيا صهره يوسف باشا، وقد ساهم في هذه المؤامرة السفير الإنجليزي ورنجتن ـ زوج البنت غير الشرعية للملك جورج الرابع ـ في إيالة طرابلس، وهذا السفير اتهم حسونة الدغيس بالتآمر، مع قنصل فرنسا العام بطرابلس ومراسل المجمع العلمي الفرنسي البارون روسو، في قتل الرحالة الإنجليزي الميجر لاين، وأن حسونة سلم وثائق الميجر لاين للبارون روسو.
كان والد حسونة الدغيس وزيرًا للخارجية لحكومة يوسف باشا القره مانلى بإيالة طرابلس الغرب، وقد شجع هذا الوالد ابنه حسونة على دراسة ومعرفة الحضارة الأوربية، وأقام لأجل ذلك زمنًا طويلًا بأوروبا لدراسة لغاتها، قوانينها، وعادات شعوبها، كما ساح في بلادها خاصة فرنسا وإنجلترا، وقد عده سفير للسويد بأنه: نادرة زمانه في المعرفة والعلم. وقد أقام حسونة الدغيس بفرنسا أكثر من سنتين، وأصبح يتكلم اللغة الفرنسية بطلاقة، وتمكن من الكتابة بالفرنسية كما تبين الكثير من الرسائل التي وجهها إلى المسؤولين بخصوص قضية الميجر لاين، كذلك فإن علاقته بالبارون روسو كانت علاقة علمية كما تبين الحوليات الليبية، إلى جانب إصداره للصحيفة الفرنسية بالأستانة.
إن المرجع الوحيد الذي بين يدي، فيما يخص حسونة الدغيس، هو كتاب الباحث ومؤسس مركز البحوث التاريخية في زغوان بتونس الدكتور عبد الجليل التميمي. وهناك مخطوط يخص حسونة الدغيس للمؤرخ الليبي محمد بازامه، الذي توفي دون أن يتمكن من نشره هو وغيره من المخطوطات.
ومن هذا النزر المتيسر أعد حسونة الدغيس أول مترجم ليبي معروف، ذكرته بعض الكتب المتخصصة في تاريخ شمال أفريقيا. ثم توالت عملية الترجمة خاصة مع صدور أول صحيفة ليبية في طرابلس الغرب عام 1866م، حتى نجد في النصف الأول من القرن العشرين العديد من المترجمين الذين ترجموا ـ خاصة عن الإيطالية ـ بعضًا من الآداب الإيطالية كالكوميديا الإلهية لدانتى التي ترجم منها الكثير ونشر بالصحف. أما القاص وهبي البوري فقد ترجم في ثلاثينيات القرن المنصرم، لأول مرة إلى اللغة العربية أعمالًا قصصية إيطالية مختلفة وقصصًا للويجى بيرانديللو، الذي سوف يترجم له الناقد والباحث خليفة التليسي ـ مطلع الخمسينيات ـ بعض قصصه ومسرحياته كما ترجم للبرتومورافيا. والغريب أن تكون الترجمات الأولى عن الفرنسية، وفيما بعد تميز المترجم الليبي بالترجمة عن اللغة الإيطالية عبر شخص التليسي.
لقد تميزت شخصية الدغيس ليس فحسب بالترجمة وإصدار أول صحيفة بلغة أوروبية في العالم الإسلامي، تميز بالسفر والترحال، حتى تحول إلى مهاجر في مدينة جاوة بإندونيسيا، وهو مثل غيره من الليبيين من شخصيات مميزة لم يجد من يبحث ويكتب سيرته المليئة بأحداث وأفعال لا مثيل لها في التاريخ الحديث العربي وليس الليبي فحسب، بل إنه شخصية روائية مشحونة بالدلالة فيما يخص صلته بالغرب والحداثة في عصره، القرن التاسع عشر العصر القاعدة للاستعمار ولمحاولات التحرر والنهضة في العالم غير الأوروبي جملة، وبرز في ذاك القرن شخصيات رائدة كالشدياق والأفغاني والكواكبي ورفاعه الطهطاوي وخير الدين التونسي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات