أعتقد أن كثيرين ممن هم في مثل عمري يدركون أن أطفال وصبيان وشباب هذا الزمن يعرفون ويستوعبون ويفكرون أكثر بكثير مما نعرفه نحن! فقلة منا فقط هم من يتعاملون مع أزرار الأجهزة الإلكترونية بقدرة وسرعة أبنائنا، بل أحفادنا أيضا؟ كم من مستنير تجاوز العقد السادس أو السابع من عمره بمقدوره أن يجاريهم في معرفة استخدامات «سناب شات» أو «إنستغرام»، وطروح الـ«تيكتوك» وبالطبع وسائل المعلومات الأخرى التعليمية أو غيرها؟.. لا أعتقد أبدا أن حجم المعرفة متساوٍ بين الأجيال؟
ولكن من تعلم وتمكن من جيلي، بعد زمن بدع الاتصالات، يعي أن مواقع عديدة لأرشيف محفوظات لا تخطر على البال لأغلب ما صدر من مطبوعات حديثة وقديمة، وبمقدورة أن يطلع عليها بضغطة بسيطة على زر أنيق.
ولأنني من المتابعين للثقافة الإبداعية الذين انتبهوا إلى تراجع القصة القصيرة كما وكيفا في الثقافة الليبية، والتي بات غيابها لافتا للنظر، مع العلم أن أغلب الروائيين استهلوا مسيرتهم الأدبية بالقصة القصيرة، وإن كانت روايات كثيرة صدرت لغيرهم ولم يكتبوا قبلها قصة قصيرة.
ثمة مواقع كثيرة، هي عبارة عن مكتبات لمجلات، وإصدارات ورقية كثيرة، بواحدة من هذه المواقع، وجدت عددا خاصا، باذخا بكتابه المتميزين للغاية، في ستينيات القرن الماضي، بل منهم روائيين مشهورين، عن القصة القصيرة. هذا العدد أصدرته مجلة الهلال يوم 1/8/ 1969 وجعلته خاصا للقصة القصيرة؛ من بين مواضيعه حوار حول أزمة القصة القصيرة، ولعل هذه الأزمة لا تختلف كثيرا عن أزمة القصة القصيرة الليبية في هذا الوقت الراهن.
فالقصة القصيرة كان لها حضور كبير حتى بداية زمن العولمة، والتواصل الرقمي وكثرة الأزرار التي تربطك بكل ما تريد معرفته، وصولا إلى (تشات جي بي تي) الذي يقدم لك، إن شئت دراسة كاملة عن القديد، مع معلومات دقيقة عن الفرق بين قديد الضأن والبقر!
قبل أن ننتقى نماذج من هذه الأزمة، التي نعيشها الآن في ليبيا على سبيل المثال، وهي غياب القصة القصيرة، أو على الأقل قلتها، سوى المكتوبة، أو تلك التي كنا نسمعها في برامج إذاعية منتظمة، كبرنامج الأستاذ سالم العبار (ما يكتبه المستمعون) على سبيل المثال، يجعل من التعرض لهذه الأزمة أهمية بالغة.
في عدد مجلة الهلال، الذي أشرت إليه، حوار حول أزمة القصة القصيرة، أسسته المجلة على سؤال واضح مفاده: هل القصة القصيرة في أزمة؟ وقبل أن نفكر في سحب هذا السؤال على واقع القصة الليبية الحالي، دعونا نستعرض أهم ما ورد من نقاط في إجابات قامات مصر الأدبية في ذلك الحين:
الأديب الكبير توفيق الحكيم قال: «عندي أن الأزمة الحقيقية ليست هي أزمة القصة ولكنها أزمة الفنان الخالق. وجوهرها هو الصراع الشخصي عند الفنان بين طموحه الفني في الخلق والإبداع وقدراته الذاتية، وهذا العراك الطويل في هذا الميدان هو أهم ما يشغل حياة الفنان بأكملها، وليست هذه المعركة بالشيء السهل، لأن طموح الفنان لا يقف عند حد، كما أن قدراته الفنية تحتاج إلى جهاد طويل من التجربة الفنية والثقافة الواسعة، والإحاطة بأعمال من سبقوه، والإلمام بالوسائل الجديدة في عصره، مع فهم هذا العصر في مختلف مضامينه الاجتماعية، والفكرية..».
هذا رأي الكاتب المفكر توفيق الحكيم عن أزمة القصة القصير في مصر أثناء ذلك الزمن الأدبي الجميل. حسنا! قبل أن نتساءل إذ ما كان هذا الرأي ينسحب على القصة القصيرة الليبية إن اقتنعنا أنها بالفعل في أزمة حقيقية؟ دعونا فقط نقرأ بقية آراء كتاب ذلك الزمن الجميل ونرى هل بمقدورنا الاستفادة منها؟ وننتقي بعضا من قصصهم، فنجد منهجا نتولى من خلاله حال القصص القصيرة في بلادنا؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات