Atwasat

مُفَكرةٌ أُمِّنَت وأخرى تنتظر

أمين مازن الأحد 12 يناير 2025, 01:13 مساء
أمين مازن

استطعت في ضحى التاسع والعشرين من ديسمبر تأمين نسختي من مفكرة العام الخامس والعشرين، إذ لم يَعُدْ يفصلنا عنه سوى ثمانية وأربعين ساعة وما لم يحدث ـ لا قدّرَ الله ـ ما يخرج عن الحسبان ووجدنا ما يستحق التدوين فسيكون ذلك أمام اليوم والتاريخ.

فالماضي وحده الذي استطاع أن يصمد سواء ما تم إفراغه فيما تيسر نشره مُجنّسًا في كتابٍ أو أكثر أو ظل مودعًا في مقالات نالت ما استحقت من النقاش في عديد الوسائل وأشاد بها من أشاد وصَوَّبَ من رأى واجب التصويب، أو استحسن آخر قتل ما وجد فيها ما لا يطيق بالصمت؛ فالصمت كما يؤكد أكثر من خصمٍ صَرّحَ أو أخفى أشد فتكًا من محاورة مواطن الخلاف.

وقد كانت الفترة التي تلت يناير 2011 وحتى أكتوبر من ذات العام على قصرِها زمنيًا أشد حيرةً وقلقًا لما ظهر معها مبكرًا من استحالة بقاء النظام وأشدها إرهابًا بما قد يستجد في أي لحظة من اللحظات التي كانت تنذر بكل ما يضاعف من القلق عندي مما تحمل ذاكرتي عن الجلسات التي عُقِدَت بين المثقفين الليبيين الذين كنت منهم وبهم ولهم والعقيد القذافي الذي ظل منذ تصدره المشهد الليبي في العام التاسع والستين صاحب الكلمة النهائية قالها مبكرًا أو بعد أن أذِنَ لغيره أن يقول.

فقد كنت دائم الحضور مشاركًا بالممكن، وذلك منذ أن شملني الاعتقال الكبير عقب خطاب زوارة وقبل سقوط الطائرة الليبية بصحراء سيناء بالعام الثالث والسبعين، أي بعد ثلاث سنوات من قيام النظام وتسلمي حقيبة المطبوعات والنشر بقرارٍ وقعه رئيس الحكومة الدكتور محمود المغربي واعتمادٍ أقرَّه بعد مناقشتي عضو مجلس قيادة الثورة السيد عمر المحيشي، على الرغم من أن النقيب يوسف الدبري كان قد فشل، كما أسرَّ لي، في أن أكون بين من يمكن أن يُستعان بهم، بسبب معارضة معمر وعبد السلام كما نطق حرفيًا، وأذكر أنني طلبت منه عدم التكرار لغياب المشترك بين من أعرف من العسكريين الأكبر رتبة ومن ذَكَرَ.

لقد أمضيت ليلةً كاملةً أفرغتُ أثناءها ما لدي عما حضرت في مفكرة العام بدايةً في لقاءٍ حضرته في باب العزيزية جمعنا له المرحوم أحمد إبراهيم الفقيه من مدخل الكتابة في الأسبوع الثقافي، أذكر من الحاضرين الأفاضل خليفة التليسي، ومصطفى نصر المسلاتي، وخليفة حسين مصطفى، وكاتب هذه السطور، حرص الفقيه على توسيعه ليشمل جميع الذين يكتبون ولو كانوا متعاونين، وقد تشاورت يومها مع التليسي عما إذا كان المقصود جميع الذين يكتبون أو الموظفين كما هو الأرجح، وأذكر أنني أقنعت الأستاذ التليسي بضرورة الحضور استعدادًا للدخول إن أُمِرَ به أو المغادرة حالة ما إذا كان الحضور خاصًا بالموظفين، ويومئذ دخلنا وكان الرجل لطيفًا وخَصَّ التليسي بشيءٍ من الاحتفاء وشارك التليسي بما لديه.

وأذكر أنني علقت بما بدا حذرًا منه وإن ألقى اللوم على الآخرين كإسناد تحرير مجلة الثقافة العربية لغير الليبيين، لقد حث على الكتابة وأكد للحاضرين أنهم ليسوا للغرب أو للشرق، واستنكر الأغاني الغربية، وأذكر أنني قلت نخشى أن يُعتَبَر ما سمعنا منعا، رد بالحرف الواحد ما أقوله وجهة نظر وإلا أصدرنا قرارات، ولم تمض أيام حتى صدرت الأسبوع السياسي، ولكن لم يُدعَ أحد من الحاضرين للكتابة بها، فقد ظل مكانهم الأسبوع الثقافي إلى أن صدرت الشمس التي تأسست أثناء الحظر الجوي بحجة توسيع النشر، فإذا بالتوجيه يقضي بالنص أنها من تأسيس الطالب معمر!

ليضمن الأسبقية على كل المستويات. وبالجملة فقد وُفقتُ في إفراغ ما لدي عن تلك المقابلات التي تكررت في باب العزيزية أكثر من مرة وامتدت إلى البيضاء وسوكنة مما آمل أن أفصله وبالأحرى المهم منه إذ لم أسمع فيها إلى ما يسيء ومن العيب كتم الشهادة بشأنها، مع حمد الله على التوفيق وعدم حدوث ما يكدّر، ولم أشارك في حملات الشتم غير الموضوعي تمامًا مثلما لم أكن بين المتطوعين بشيطنة الذين عارضوا ذلك النظام مما كان يمكن تجنبه لولا الحرص على المكاسب التي طالما أسالت اللعاب ويستحيل التنصل منها اليوم، وعسى أن نعيد إملاء التدوين إحقاقًا للحق وأداء واجب الشهادة التي حفظتها الذاكرة في حينها وليس التي تتنصل اليوم مما تطوعت بتزيينه أمس.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»