احتار الطب وعلومه في هوية الزائدة الدودية، والمقاربة الأشهر أنها تشبه الدودة زائدة عن الحاجة، لكن هذه الزائدة كفيلة بقتل الإنسان إذا ما مسها التهاب وجرى إهماله. والمشكل أن الإنسان كثيرا ما ينسى ما فيه وما لم ينغص حياته. حيث هذا الكائن ينغمس في نفسه وهموم حياته، تاركا جسده وصحته للأقدار، حتى إنه يرقي الروح التي لا يعلم بشأنها شيئا إلى مرتبة التقديس، وكأنما هكذا يدفن الجسد في غياهب انشغالاته. ولن يفطن للزائدة الدودية التي لا جدوى منها إلا والحمى تلبس جسده وتقلب حياته إلى جحيم.
تذكرت هذه الدودة الزائدة، حين استعدت تشبيهي لليبيا بالحجر المنسي، ما استعرت من الميثولوجيا الإغريقية، عندما كنت أكتب مقالة أسبوعية عن المسألة الليبية، التي خلال السنوات الأخير بدأت كما مسألة خيالية أو حدث مر مرور الكرام، فلم تعد لهذه المسألة مكانة على طاولة دولية كانت أو إقليمية ولا حتى محلية.
وخلال السنتين الماضيتين رجعت إلى بلادي ليبيا، وعشت فترة طويلة في مدينتي بنغازي، بعد سنوات طوال من المنفى الاختياري، وهناك في المكان والزمان لم أسمع أو أشاهد التفاتة حتى هامشية لمسألة ليبيا. الكل غاطس أو غارق في يم اليوم العالي موجه، وبالتالي هناك انشغال بأي شيء أو لا شيء عن ليبيا، ليبيا التي كانت منذ سنوات قليلة ما يتنفس الليبيون، ما كانت وجع الإقليم، والدبوس في خاصرة العالم، المتمثل في الأمم المتحدة ومجلس أمنها والاتحاد الأوروبي والأفريقي وجامعة العرب. أما عدد المؤتمرات التي عقدت لأجل المسألة الليبية فحدث ولا حرج!.
طبعا هناك من سينبري لتوضيح الدوافع لذا التناسي، من سرديات دولية ومحلية، سيذكرها منجمة واحدة تنطح الأخرى، وفي الأخير سيجمل أو ينهي انبراءه بمفردة (لكن)، التي تنطوي على ما أشرت إليهم، من حيرة الطب وعلومه في تعليل الزائدة الدودية. وتتمظهر الحيرة كجواب قاطع مثل سكين الجزار، هذا فيما يخص تعليل تغييب المسألة الليبية، التي هي الزائدة الدودية إن التهبت تداعى الجسد كله، لكن يحصل أن ترفع علم كينونتها فتقول هأنذا عند احتمال التهابها.
غير أن الحقيقة المرة أو المسكوت عنه، أن ليبيا اختطفت لنصف قرن أو يزيد، حتى استبعدت من نشرات الأخبار في العالم وأيضا عند دول الجوار. ليبيا الصحارى الكبرى، الشاطئ الأبيض المتوسط الأكبر، النفط الذي لا يمر من بحر أحمر أو قناة، ليبيا تلك تنكفئ على نفسها، وينكفئ العالم وأهلها عليها.
كان قد تكدس قادة العالم حول مائدة ليبيا في عواصم شتى، واتفقوا في إجماع غرائبي على ألا يتفقوا، وكانت ليبيا عندئذ مرآة الخلاف حتى بين الجيران. وقد نحت اصطلاحا سخر البعض منه: في ليبيا وما شابهها العالم توصل إلى أن الحلّ اللاحلّ، بمعنى دع الأمور على ما هي عليه، المهم عدم تفاقمها، حينها كانت سوريا فم جهنم، حينها البعبع داعش، حينها الهجرة لا شرعية، حينها تكدس قادة العالم حول مائدة ليبيا في عواصم شتى.
والآن وقد غرق العالم في حروبه وتهديده بحرب كبرى ثالثة تحت راية نووية، وحرب إبادة، هذا ما تقوده الإمبريالية الأميركية وحلفاؤها من الغرب بما فيهم إسرائيل. في هذه الأحوال أعيد الشرق الأوسط، كما العادة منذ الحرب الكبرى الثانية، إلى بؤرة لبركان زاخر بالحمم والقتل والسحل، في ذا الحال ليبيا الزائدة الدودية. لكن مع الشرق الأوسط الجديد هل يمكن استبعادها؟.
لسنوات خلت عاشت ليبيا تحت كنف اللاحرب واللاسلم، ثم واجهت ضربة صاعقة: «دانيال 4 سبتمبر 2023م، إعصار من أكثر الأعاصير فتكا وتكلفة في التاريخ المسجل». وقد انهكت ولم تكلف العالم الكثير، وليبيا مؤهلة للخروج من بوتقة الشرق الأوسط، من حالة اللاحرب واللاسلم، ما طالت حتى تناسى الكل المسألة الليبية، التي تؤكد على أنها المسألة القابلة للحل متى توافرت الإرادة والحال اليوم يبدو أن الإرادة الدولية وتابعتها الإقليمية متوافرة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات