Atwasat

دور الأمم المتحدة في ليبيا واستمرار الفوضى

عمرو سعيد الختالي الخميس 19 ديسمبر 2024, 01:15 مساء
عمرو سعيد الختالي

تهدف‭ ‬خطة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المقترحة‭ ‬لليبيا‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬وإنشاء‭ ‬حكومة‭ ‬جديدة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنها‭ ‬تكرر‭ ‬الإخفاقات‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬تحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬مختلفة‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬الليبية‭ ‬المستمرة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حل،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الاقتراح‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬الأسباب‭ ‬الجذرية‭ ‬لعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬إن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الحلول‭ ‬السياسية‭ ‬المؤقتة‭ ‬دون‭ ‬أساس‭ ‬دستوري‭ ‬متين‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬الانقسامات‭ ‬داخل‭ ‬ليبيا‭ ‬وإعاقة‭ ‬التقدم‭ ‬الحقيقي‭.‬

منذ‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬وحتى‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬المعينة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬برئاسة‭ ‬عبدالحميد‭ ‬الدبيبة،‭ ‬شهدت‭ ‬ليبيا‭ ‬حالة‭ ‬مستمرة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭. ‬تواصل‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة–التي‭ ‬تحركها‭ ‬وتدعمها‭ ‬أجندات‭ ‬إقليمية‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجية–فرض‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬أجزاء‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬البلاد‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬وغير‭ ‬آمنة،‭ ‬مما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التفتت‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬المحلية،‭ ‬أصبحت‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأجنبية‭ ‬من‭ ‬تركيا‭ ‬وروسيا‭ ‬متورطة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬لتعزيز‭ ‬مصالحها‭ ‬الجيوسياسية‭.‬‭ ‬ومع‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬تدفق‭ ‬المرتزقة‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا،‭ ‬مما‭ ‬أدى،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬إلى‭ ‬تحالف‭ ‬مواطنين‭ ‬ليبيين‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسفر‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬ضد‭ ‬مصالح‭ ‬الشعب‭ ‬الليبي‭.‬

لقد‭ ‬فشلت‭ ‬حكومة‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬الحالية‭ (‬برئاسة‭ ‬الدبيبة‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬شكلتها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬لإجراء‭ ‬الانتخابات‭ ‬وتوفير‭ ‬الاستقرار،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها،‭ ‬واتبعت‭ ‬نمط‭ ‬الإدارات‭ ‬الموقتة‭ ‬السابقة‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬ظهرت‭ ‬الانقسامات‭ ‬الداخلية،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالميزانية‭ ‬الوطنية‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬ليبيا،‭ ‬مما‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬الحكومة‭ ‬واختلالها‭. ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬الانقسامات‭ ‬إلى‭ ‬شل‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكومة‭ ‬وأسفرت‭ ‬عن‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬الفساد،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الحكم‭ ‬الفعّال‭ ‬مستحيلاً‭. ‬ولن‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬اقترحته‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬دورة‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬والانقسام‭ ‬التي‭ ‬ابتليت‭ ‬بها‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭.‬

يتعين‭ ‬على‭ ‬ليبيا‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬دستوراً‭ ‬دائماً‭ ‬وشاملاً‭ ‬ليكون‭ ‬الأساس‭ ‬للتغيير‭ ‬الهادف‭. ‬إن‭ ‬الدستور‭ ‬الذي‭ ‬يجسد‭ ‬العدالة‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬لبناء‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬مستقر‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬بقبول‭ ‬جميع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الليبية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لكل‭ ‬منطقة‭ ‬وقبيلة‭ ‬ومجموعة‭ ‬عرقية–مثل‭ ‬الأمازيغ‭ ‬والتبو‭ ‬والطوارق–صوت‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مستقبل‭ ‬البلاد‭. ‬ودون‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬جديدة‭ ‬ضعيفة،‭ ‬وعرضة‭ ‬للتدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬وغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬القضايا‭ ‬الليبية‭ ‬المتجذرة‭.‬

إن‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتضمن‭ ‬حواراً‭ ‬وطنياً‭ ‬شفافاً‭ ‬وشاملاً‭ ‬لصياغة‭ ‬دستور‭ ‬يتفق‭ ‬عليه‭ ‬جميع‭ ‬الليبيين‭. ‬وبمجرد‭ ‬إقرار‭ ‬هذا‭ ‬الدستور،‭ ‬فإن‭ ‬الانتخابات‭ ‬الحرة‭ ‬والنزيهة‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬أكثر‭ ‬ديمومة‭ ‬وشرعية‭ ‬ومساءلة،‭ ‬تمثل‭ ‬الشعب‭ ‬حقاً‭.‬

إن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬حلول‭ ‬تقليدية‭ ‬ثبت‭ ‬فشلها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬لن‭ ‬يحل‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬البلاد‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬الليبيون‭ ‬أنفسهم‭ ‬مستقبل‭ ‬ليبيا،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التلاعب‭ ‬الخارجي‭ ‬ونفوذ‭ ‬القوى‭ ‬الأجنبية‭.‬

إن‭ ‬الجهود‭ ‬المتسرعة‭ ‬لفرض‭ ‬حلول‭ ‬سياسية‭ ‬سريعة‭ ‬لن‭ ‬تفضي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬نفوذ‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬المتجذرة،‭ ‬وستعيد‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬عام‭ ‬2012‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»