تبدو المنطقة العربية من بين أكثر المناطق سرعة في التأثر والاستجابة للتغيرات العالمية بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها وهشاشة بنياتها المشوهة جغرافيا وسياسيا وعقمها وانعدام قدرتها على صنع مشروع جيو سياسي بحجم جغرافيتها وثرواتها وتاريخها ومشتركاتها الثقافية والاجتماعية، مما جعلها مجرد مجال حيوي يجذب مصالح ومشاريع هيمنة القوى الدولية والإقليمية، وبالتالي أصبحت منطقة ارتطام لهذه المصالح والمشاريع ومسرح صراع بين هذه القوى، فحتى في حالة حدوث صراع بين هذه القوى في مناطق أخرى من العالم، فإن المنطقة العربية لا تكون بمنأى عن التأثر والاستجابة لصدى هذا الصراع، لأنها في هذه الحالة أيضا تتحول إلى مسرح لتصفية الحسابات وأوراق مقايضة وضغط وتبادل في بورصة سوق الصراع البعيد والقريب منها.
فما جرى ويجرى في سورية في هذا الوقت كان مفاجئا على صعيد التنفيذ ولم يكن مفاجئا على صعيد التوقع، لأن الاستراتيجية التي أرساها الغرب منذ قرنين من الزمن في المنطقة بدأت في القرن العشرين تتعرض لاختراقات من قبل قوى إقليمية ناهضة، ولكن بقدر ما تحاول هذه القوى مشاركة الغرب إذا استطاعت، بقدر ما هي حريصة على الإبقاء على خرائط استراتيجية الغرب، وبالتالي فهي أيضا تشجع وتغذى الطائفية والعشائرية والعرقية والأيديولوجيا باعتبارها آليات استمرار هذه الكيانات الهزيلة وعدم تطورها إلى حالة أرقى على المستوى الاقتصادي والسياسي تملأ الفراغ الذي تتمدد فيه هذه المصالح.
إذن يتفق كل المتصارعين رغم خلافاتهم على الإبقاء على المنطقة العربية في حالة فريسة يستولى عليها الأقوى أو يتقاسمها مع الآخرين، وانطلاقا من هذا الوضع يمكن محاولة فهم تطور الأحداث في سورية بعد الهجوم الذي قامت به مليشيات جبهة النصرة المدعومة تركيا، وهذا يقتضي النظر في المصالح المتعارضة لهذه القوى وإقدام إحداها على هذه النقلة النوعية على رقعة الصراع الذي لا يزال مشتعلا في غزة ولبنان.
هناك قوتان إقليميتان متورطتان في الصراع على الفريسة العربية، هما إيران وتركيا وهناك كيان إسرائيلي وظيفي قوى يعتبر الأداة الأقوى على الإطلاق لاستراتيجية الغرب في المنطقة، وفوق هؤلاء الثلاث قوتان عالميتان هما الولايات المتحدة وريثة الاستراتيجية الاستعمارية في المنطقة والتي تتمدد بقواعدها وبقوتها الاقتصادية والسياسية من المشرق العربي إلى مغربه، ويخشى غضبها كل من يطلق عليهم تسمية الحكام العرب وبالتالي فهي معنية بما يحدث في سورية فمشاركتها ورضاها أو رفضها سيكون له الأثر الأكبر على ما تؤول إليه نتائج هذا الحدث.
القوة الثانية هي روسيا وريثة الطموحات والتمددات والتحديات السوفييتية في مواجهة الغرب ونفوذه في العالم، وقد استثمرت جزءا من قوتها بشكل فاعل في سورية قبل اصطدامها بالغرب في أوكرانيا، واستطاعت أن تحمي النظام السوري بعد أن عجزت إيران عن ذلك في مواجهة الغرب وإسرائيل والحكام العرب الذين اصطفوا ضد النظام السوري باعتباره دكتاتوريا، رغم أنهم هم أيضا براء من أية تهمة ديمقراطية، غير أن روسيا تبدو متضايقة من الوجود الإيراني في منطقة نفوذها السورية رغم حاجتها لإيران في الحرب الأوكرانية وفي القوقاز والعقوبات الغربية، ولعل أهم الأسباب التي تدفع روسيا للتخلص من الوجود الإيراني هي:
1- ميل النظام السوري وارتباطه أكثر بإيران.
2- الوجود الإيراني يجذب قوى لا ترغب روسيا في رؤيتها في سورية مثل حزب الله الذي يؤدي وجوده إلى نشاط جوى إسرائيلي في مناطق النفوذ الروسي فيضع روسيا في حالة حرج مع سورية وإسرائيل.
3- تمرير الأسلحة والمساعدات والخبراء عبر سورية إلى حزب الله وهذا يعقد العلاقات مع إسرائيل التي تحتاجها روسيا بالنظر إلى نفوذ اللوبيات الصهيونية في الغرب وفي العالم إلى جانب أن وجود إسرائيل كان أحد أسباب الوجود الروسي في الشرق الأوسط منذ ستينيات القرن الماضي.
تبرز إيران في معمعة هذا الصراع كقوة إقليمية تمتلك ميزات لا يملكها أي من المتصارعين على الفريسة العربية، فهي شريك تاريخي مع العرب في صنع ما يعرف بالحضارة الإسلامية وطرف أصيل في نشوء المدارس الفكرية والمذاهب وفي قيام الدول واضمحلالها طوال ما يقارب ألف عام من التفاعل، لهذا فهي تقدم نفسها كجزء من المنطقة طرأ ويطرأ عليها من الغرب ما طرأ ويطرأ منه على العرب، وبالتالي تعتبر دفاعها عن نفسها وعن طموحاتها كقوة إقليمية صاحبة نفوذ يقتضي منها مد يد العون والمساعدة وتبني كل القوى التي تناصب العداء للهيمنة الغربية وللعربدة الإسرائيلية في المنطقة العربية، وهذا الطرح تعتبره إسرائيل تهديدا لوجودها ويعتبره الغرب تهديدا لمصالحه وتمردا على استراتيجيته ونفوذه من قبل قوة إقليمية ناشئة تريد أن تشاركه أو تحل محله، لكن محاولة إيران استثمار الروابط المذهبية بينها وبين الطائفة الشيعية في الدول العربية لتقوية نفوذها وضغطها، أدت إلى هلع وخوف الحكام العرب الذين لم يجدوا في المنطقة قوة إقليمية يتحالفون معها أفضل من إسرائيل المتبناة من الغرب والمدججة بسلاحه وتكنولوجيته فأخذوا يطبعون معها بتشجيع غربي ويتحالفون معها ضمنيا ضد ما يعتبرونه عدوا مشتركا وكأن إسرائيل والغرب حريصين على الدفاع عن القومية العربية ضد القومية الفارسية.
الطرف الإقليمي الثاني في هذا العراك هي إسرائيل وهوكيان يتميز عن كل الأطراف المتصارعة بميزات ثلاث أولها انه ولد من رحم العنف والقوة والإرهاب وثاني هذه الميزات هي انه يبرر وجوده في هذه المنطقة بأساطير ونصوص توراتية مقدسة تمنحه الحق في التمدد على حساب من حوله حتى يسترد الأرض الذي وعدته بها نصوصه المقدسة وحتى تتطابق الحقيقة مع هذا الوعد، أما ثالث هذه الميزات هي إدراكه بأن التسليم بوجوده في المنطقة يعتمد على القوة والعنف والإرهاب وضمانة الغرب.
هذه الميزات ترتب عليها مبدأ بديهي وأساسي يتمثل في عدم سماح إسرائيل – طالما هي قادرة على ذلك- بنشوء أية قوة إقليمية في المنطقة تضاهيها في القوة بصرف النظر عن دينها ومذهبها وقوميتها، ولهذا فان إسرائيل ظلت وستظل على الدوام متأهبة تقف على قدم الحرب لوأد أية محاولة من هذا القبيل، ولحسن حظ إسرائيل أن هذا المبدأ هو أيضا أهم ثوابت استراتيجية الغرب في المنطقة العربية، ومن هنا يأتي قلق إسرائيل وعداؤها لإيران إن لم تتراجع عن بناء قوتها وعن طموحاتها في المنطقة التي تثير أيضا مخاوف الغرب.
الطرف الإقليمي الثالث في هذا العراك هي تركيا وهي تختلف عن إيران فلم يعرفها العرب إلا كقوة غازية تحت راية دينية، فغيرت تاريخهم وسلبتهم الخلافة وجعلت منهم إيالات تابعة للسلطنة العثمانية لأكثر من خمسة قرون ولكن تركيا كانت ولاتزال قوة إقليمية لا تثير مخاوف الغرب لأنها ظلت داخل حدوده ولم ترفع سقف طموحاتها في المنطقة، ولكن بعد وصول رجب إردوغان وحزبه إلى السلطة، بدأت تركيا تنتهج سياسة خارجية لتفهم من خلالها العالم ولاسيما الغرب بأنها وريثة الإمبراطورية العثمانية وبالتالي يجب أن يعترف لها بدور يناسب وزنها وإرثها وأن تكون لها مناطق نفوذ وتأثير في الشرق الأوسط وآسيا الصغرى، وما هجوم جبهة النصرة المدعومة من تركيا إلا تعبيرا عن هذه السياسة فهي تريد أن ترغم الرئيس السوري على قبول عودة اللاجئين السوريين والاعتراف ضمنيا بالوجود العسكري التركي في الشمال السوري وحريتها في مطاردة المليشيات الكردية أينما كانت داخل سورية وتقليص الوجود الإيراني ثم إخراجه، كل ذلك تحت طائلة التهديد بتحويل حلب وإدلب وحماة إلى دويلة يعود إليها اللاجئون تحت الرعاية التركية.
لا شك أن إنهاء الوجود الإيراني في سورية يحوز على تأييد الغرب وإسرائيل وروسيا لأن ذلك يعتبر تحجيما لإيران وقطعا للتواصل بينها وبين حزب الله الذى يصفونه بأهم أذرع إيران إلى جانب أن هذا يؤدى إلى قطيعة ومواجهة علنية بين تركيا وإيران وذلك في مصلحة الغرب وإسرائيل، ولكن في مقابل ذلك على تركيا أن تتخلى عن مطلب وجودها العسكري في شمال سورية ومطاردة الأكراد وأن تكف عن تبني جبهة النصرة، غير أن تركيا على الأغلب لن تتخلى عن أي من هذه المطالب قبل استلام الإدارة الأميركية الجديدة السلطة وذلك لكي تأتى لتضع أوراقها مثلها مثل إسرائيل وإيران وروسيا على طاولة ترامب، الذي سيكون في عجلة من أمره للانتهاء من تفاصيل هذا العراك على الفريسة العربية في الشرق الأوسط، لكي يتفرغ للعدو الصيني الأكبر الذي بدأ يتمدد خارج سوره العظيم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات