Atwasat

عراك القوى الدولية والإقليمية على الفريسة العربية

صالح السنوسي الخميس 05 ديسمبر 2024, 01:55 مساء
صالح السنوسي

تبدو‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬سرعة‭ ‬في‭ ‬التأثر‭ ‬والاستجابة‭ ‬للتغيرات‭ ‬العالمية‭ ‬بسبب‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬وثرواتها‭ ‬وهشاشة‭ ‬بنياتها‭ ‬المشوهة‭ ‬جغرافيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬وعقمها‭ ‬وانعدام‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬مشروع‭ ‬جيو‭ ‬سياسي‭ ‬بحجم‭ ‬جغرافيتها‭ ‬وثرواتها‭ ‬وتاريخها‭ ‬ومشتركاتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬مجرد‭ ‬مجال‭ ‬حيوي‭ ‬يجذب‭ ‬مصالح‭ ‬ومشاريع‭ ‬هيمنة‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬أصبحت‭ ‬منطقة‭ ‬ارتطام‭ ‬لهذه‭ ‬المصالح‭ ‬والمشاريع‭ ‬ومسرح‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬القوى،‭ ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حدوث‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬فإن‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬التأثر‭ ‬والاستجابة‭ ‬لصدى‭ ‬هذا‭ ‬الصراع،‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬أيضا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬وأوراق‭ ‬مقايضة‭ ‬وضغط‭ ‬وتبادل‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬سوق‭ ‬الصراع‭ ‬البعيد‭ ‬والقريب‭ ‬منها‭.‬

فما‭ ‬جرى‭ ‬ويجرى‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬كان‭ ‬مفاجئا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التنفيذ‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مفاجئا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التوقع،‭ ‬لأن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬أرساها‭ ‬الغرب‭ ‬منذ‭ ‬قرنين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬تتعرض‭ ‬لاختراقات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬ناهضة،‭ ‬ولكن‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحاول‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬مشاركة‭ ‬الغرب‭ ‬إذا‭ ‬استطاعت،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬خرائط‭ ‬استراتيجية‭ ‬الغرب،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬أيضا‭ ‬تشجع‭ ‬وتغذى‭ ‬الطائفية‭ ‬والعشائرية‭ ‬والعرقية‭ ‬والأيديولوجيا‭ ‬باعتبارها‭ ‬آليات‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬الهزيلة‭ ‬وعدم‭ ‬تطورها‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬أرقى‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬تملأ‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تتمدد‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬المصالح‭.‬

إذن‭ ‬يتفق‭ ‬كل‭ ‬المتصارعين‭ ‬رغم‭ ‬خلافاتهم‭ ‬على‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬فريسة‭ ‬يستولى‭ ‬عليها‭ ‬الأقوى‭ ‬أو‭ ‬يتقاسمها‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬وانطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يمكن‭ ‬محاولة‭ ‬فهم‭ ‬تطور‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬بعد‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬مليشيات‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬المدعومة‭ ‬تركيا،‭ ‬وهذا‭ ‬يقتضي‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬المصالح‭ ‬المتعارضة‭ ‬لهذه‭ ‬القوى‭ ‬وإقدام‭ ‬إحداها‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬النقلة‭ ‬النوعية‭ ‬على‭ ‬رقعة‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مشتعلا‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان‭.‬

هناك‭ ‬قوتان‭ ‬إقليميتان‭ ‬متورطتان‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الفريسة‭ ‬العربية،‭ ‬هما‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬وهناك‭ ‬كيان‭ ‬إسرائيلي‭ ‬وظيفي‭ ‬قوى‭ ‬يعتبر‭ ‬الأداة‭ ‬الأقوى‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬لاستراتيجية‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفوق‭ ‬هؤلاء‭ ‬الثلاث‭ ‬قوتان‭ ‬عالميتان‭ ‬هما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وريثة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والتي‭ ‬تتمدد‭ ‬بقواعدها‭ ‬وبقوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬من‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬مغربه،‭ ‬ويخشى‭ ‬غضبها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يطلق‭ ‬عليهم‭ ‬تسمية‭ ‬الحكام‭ ‬العرب‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬معنية‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬فمشاركتها‭ ‬ورضاها‭ ‬أو‭ ‬رفضها‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬الأثر‭ ‬الأكبر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تؤول‭ ‬إليه‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭.‬

القوة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬روسيا‭ ‬وريثة‭ ‬الطموحات‭ ‬والتمددات‭ ‬والتحديات‭ ‬السوفييتية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الغرب‭ ‬ونفوذه‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وقد‭ ‬استثمرت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬قوتها‭ ‬بشكل‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬قبل‭ ‬اصطدامها‭ ‬بالغرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬واستطاعت‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عجزت‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الغرب‭ ‬وإسرائيل‭ ‬والحكام‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬اصطفوا‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬باعتباره‭ ‬دكتاتوريا،‭ ‬رغم‭ ‬أنهم‭ ‬هم‭ ‬أيضا‭ ‬براء‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬تهمة‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬تبدو‭ ‬متضايقة‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬نفوذها‭ ‬السورية‭ ‬رغم‭ ‬حاجتها‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وفي‭ ‬القوقاز‭ ‬والعقوبات‭ ‬الغربية،‭ ‬ولعل‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬روسيا‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬الإيراني‭ ‬هي‭:‬

1-‭ ‬ميل‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬وارتباطه‭ ‬أكثر‭ ‬بإيران‭.‬

2-‭ ‬الوجود‭ ‬الإيراني‭ ‬يجذب‭ ‬قوى‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬رؤيتها‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬مثل‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬وجوده‭ ‬إلى‭ ‬نشاط‭ ‬جوى‭ ‬إسرائيلي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬الروسي‭ ‬فيضع‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرج‭ ‬مع‭ ‬سورية‭ ‬وإسرائيل‭.‬

3-‭ ‬تمرير‭ ‬الأسلحة‭ ‬والمساعدات‭ ‬والخبراء‭ ‬عبر‭ ‬سورية‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬وهذا‭ ‬يعقد‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها‭ ‬روسيا‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬اللوبيات‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬إسرائيل‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬الوجود‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

تبرز‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬معمعة‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية‭ ‬تمتلك‭ ‬ميزات‭ ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المتصارعين‭ ‬على‭ ‬الفريسة‭ ‬العربية،‭ ‬فهي‭ ‬شريك‭ ‬تاريخي‭ ‬مع‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وطرف‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬المدارس‭ ‬الفكرية‭ ‬والمذاهب‭ ‬وفي‭ ‬قيام‭ ‬الدول‭ ‬واضمحلالها‭ ‬طوال‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ألف‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬التفاعل،‭ ‬لهذا‭ ‬فهي‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬طرأ‭ ‬ويطرأ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬ما‭ ‬طرأ‭ ‬ويطرأ‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬العرب،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تعتبر‭ ‬دفاعها‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬وعن‭ ‬طموحاتها‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية‭ ‬صاحبة‭ ‬نفوذ‭ ‬يقتضي‭ ‬منها‭ ‬مد‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬والمساعدة‭ ‬وتبني‭ ‬كل‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تناصب‭ ‬العداء‭ ‬للهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬وللعربدة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬وهذا‭ ‬الطرح‭ ‬تعتبره‭ ‬إسرائيل‭ ‬تهديدا‭ ‬لوجودها‭ ‬ويعتبره‭ ‬الغرب‭ ‬تهديدا‭ ‬لمصالحه‭ ‬وتمردا‭ ‬على‭ ‬استراتيجيته‭ ‬ونفوذه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬ناشئة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تشاركه‭ ‬أو‭ ‬تحل‭ ‬محله،‭ ‬لكن‭ ‬محاولة‭ ‬إيران‭ ‬استثمار‭ ‬الروابط‭ ‬المذهبية‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لتقوية‭ ‬نفوذها‭ ‬وضغطها،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬هلع‭ ‬وخوف‭ ‬الحكام‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬يتحالفون‭ ‬معها‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬المتبناة‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬والمدججة‭ ‬بسلاحه‭ ‬وتكنولوجيته‭ ‬فأخذوا‭ ‬يطبعون‭ ‬معها‭ ‬بتشجيع‭ ‬غربي‭ ‬ويتحالفون‭ ‬معها‭ ‬ضمنيا‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬يعتبرونه‭ ‬عدوا‭ ‬مشتركا‭ ‬وكأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬والغرب‭ ‬حريصين‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬ضد‭ ‬القومية‭ ‬الفارسية‭.‬

الطرف‭ ‬الإقليمي‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العراك‭ ‬هي‭ ‬إسرائيل‭ ‬وهوكيان‭ ‬يتميز‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬المتصارعة‭ ‬بميزات‭ ‬ثلاث‭ ‬أولها‭ ‬انه‭ ‬ولد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬العنف‭ ‬والقوة‭ ‬والإرهاب‭ ‬وثاني‭ ‬هذه‭ ‬الميزات‭ ‬هي‭ ‬انه‭ ‬يبرر‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بأساطير‭ ‬ونصوص‭ ‬توراتية‭ ‬مقدسة‭ ‬تمنحه‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التمدد‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬حتى‭ ‬يسترد‭ ‬الأرض‭ ‬الذي‭ ‬وعدته‭ ‬بها‭ ‬نصوصه‭ ‬المقدسة‭ ‬وحتى‭ ‬تتطابق‭ ‬الحقيقة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الوعد،‭ ‬أما‭ ‬ثالث‭ ‬هذه‭ ‬الميزات‭ ‬هي‭ ‬إدراكه‭ ‬بأن‭ ‬التسليم‭ ‬بوجوده‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬والعنف‭ ‬والإرهاب‭ ‬وضمانة‭ ‬الغرب‭.‬

هذه‭ ‬الميزات‭ ‬ترتب‭ ‬عليها‭ ‬مبدأ‭ ‬بديهي‭ ‬وأساسي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬سماح‭ ‬إسرائيل‭ ‬–‭ ‬طالما‭ ‬هي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭- ‬بنشوء‭ ‬أية‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تضاهيها‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬دينها‭ ‬ومذهبها‭ ‬وقوميتها،‭ ‬ولهذا‭ ‬فان‭ ‬إسرائيل‭ ‬ظلت‭ ‬وستظل‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬متأهبة‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬قدم‭ ‬الحرب‭ ‬لوأد‭ ‬أية‭ ‬محاولة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل،‭ ‬ولحسن‭ ‬حظ‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬أهم‭ ‬ثوابت‭ ‬استراتيجية‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يأتي‭ ‬قلق‭ ‬إسرائيل‭ ‬وعداؤها‭ ‬لإيران‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تتراجع‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬قوتها‭ ‬وعن‭ ‬طموحاتها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬أيضا‭ ‬مخاوف‭ ‬الغرب‭.‬

الطرف‭ ‬الإقليمي‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العراك‭ ‬هي‭ ‬تركيا‭ ‬وهي‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬إيران‭ ‬فلم‭ ‬يعرفها‭ ‬العرب‭ ‬إلا‭ ‬كقوة‭ ‬غازية‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬دينية،‭ ‬فغيرت‭ ‬تاريخهم‭ ‬وسلبتهم‭ ‬الخلافة‭ ‬وجعلت‭ ‬منهم‭ ‬إيالات‭ ‬تابعة‭ ‬للسلطنة‭ ‬العثمانية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬قرون‭ ‬ولكن‭ ‬تركيا‭ ‬كانت‭ ‬ولاتزال‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬لا‭ ‬تثير‭ ‬مخاوف‭ ‬الغرب‭ ‬لأنها‭ ‬ظلت‭ ‬داخل‭ ‬حدوده‭ ‬ولم‭ ‬ترفع‭ ‬سقف‭ ‬طموحاتها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬رجب‭ ‬إردوغان‭ ‬وحزبه‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬بدأت‭ ‬تركيا‭ ‬تنتهج‭ ‬سياسة‭ ‬خارجية‭ ‬لتفهم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬العالم‭ ‬ولاسيما‭ ‬الغرب‭ ‬بأنها‭ ‬وريثة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية‭ ‬وبالتالي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعترف‭ ‬لها‭ ‬بدور‭ ‬يناسب‭ ‬وزنها‭ ‬وإرثها‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذ‭ ‬وتأثير‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وآسيا‭ ‬الصغرى،‭ ‬وما‭ ‬هجوم‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬تركيا‭ ‬إلا‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬فهي‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬ترغم‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬عودة‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬والاعتراف‭ ‬ضمنيا‭ ‬بالوجود‭ ‬العسكري‭ ‬التركي‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬السوري‭ ‬وحريتها‭ ‬في‭ ‬مطاردة‭ ‬المليشيات‭ ‬الكردية‭ ‬أينما‭ ‬كانت‭ ‬داخل‭ ‬سورية‭ ‬وتقليص‭ ‬الوجود‭ ‬الإيراني‭ ‬ثم‭ ‬إخراجه،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تحت‭ ‬طائلة‭ ‬التهديد‭ ‬بتحويل‭ ‬حلب‭ ‬وإدلب‭ ‬وحماة‭ ‬إلى‭ ‬دويلة‭ ‬يعود‭ ‬إليها‭ ‬اللاجئون‭ ‬تحت‭ ‬الرعاية‭ ‬التركية‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬إنهاء‭ ‬الوجود‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬يحوز‭ ‬على‭ ‬تأييد‭ ‬الغرب‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وروسيا‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يعتبر‭ ‬تحجيما‭ ‬لإيران‭ ‬وقطعا‭ ‬للتواصل‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬الذى‭ ‬يصفونه‭ ‬بأهم‭ ‬أذرع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يؤدى‭ ‬إلى‭ ‬قطيعة‭ ‬ومواجهة‭ ‬علنية‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬وإيران‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الغرب‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬تركيا‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬مطلب‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سورية‭ ‬ومطاردة‭ ‬الأكراد‭ ‬وأن‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬تبني‭ ‬جبهة‭ ‬النصرة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬الأغلب‭ ‬لن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المطالب‭ ‬قبل‭ ‬استلام‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬الجديدة‭ ‬السلطة‭ ‬وذلك‭ ‬لكي‭ ‬تأتى‭ ‬لتضع‭ ‬أوراقها‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‭ ‬وروسيا‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬ترامب،‭ ‬الذي‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمره‭ ‬للانتهاء‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذا‭ ‬العراك‭ ‬على‭ ‬الفريسة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬لكي‭ ‬يتفرغ‭ ‬للعدو‭ ‬الصيني‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يتمدد‭ ‬خارج‭ ‬سوره‭ ‬العظيم‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»