لنضع جانبًا الاهتمام بالاحتفالات المتوقعة، خلال الأيام القليلة المقبلة، في العالم عمومًا، وفي العالم المسيحي خصوصًا، في مثل هذا الوقت من نهاية كل سنة، بقدوم عام جديد، ونتريث كثيرًا، وليس قليلًا، قبل إطلاق سيل الأمنيات والتهاني احتفاءً بقدوم عام آخر، يضاف إلى حصيلة ما عشنا من أعوام. ولننسَ، إن أمكن، خلافاتنا واختلافاتنا للحظة، ونفكر معًا، بروية وجدّية، في القادم إلينا قريبًا، ليحل بيننا، مُحمّلًا بصرار مليئة بمحتويات عدة، أعتقد أنها ليست خافية على أغلبنا. لكن للأسف ليس فيها، إلى حد الآن، وحسب علمي - ما لم تحدث معجزة - ما يدخل بهجة إلى قلوبنا.
وإذا كان «الربيع من فم الباب يبان» كما يؤكد على ذلك مثل شعبي ليبي قديم، فإن العام القادم، حسب المعطيات الواقعية، ليس بخافٍ، أي لن يكون، في رأيي، بأفضل من سابقه، ومن المحتمل جدًا أن يكون أكثر سوءًا. وبالطبع، ليس من حقي مصادرة مشاعر وأفكار من يرون غير ذلك. وأتمنّى على الله أن يكونوا على صواب.
الحكمة تقتضي عدم التعجل في إصدار الأحكام. ولا أراني تعجّلتُ. وهي تقتضي أيضًا ألا يغمض المرء عينيه متجاهلًا ما حدث ويحدث في الدنيا من حوله من حوادث. وأظنني فعلتُ. والتوقعات التي لا تتسق ومعطيات الواقع قد لا تختلف عن قفزة في فراغ، تفاديًا لوصفها بالساذجة.
محليًا، وفق السائد الذي عايشناه طيلة سنوات مديدة، وليس العام 2024 فقط، لا إمكانية في العام الجديد 2025، تبدو في الأفق تبشر بحدوث ثغرة في جدار العتمة، من الممكن أن ينفذ منها خيط ضوء، يبشر مثلًا بحدوث مصالحة، أو على وصف الأستاذ محمود شمام مصارحة، بين الأطراف المتصارعة على السلطة في بلادنا. كل المعطيات التي نعرفها ونعيشها تؤكد على العكس.
وأن الانقسام الذي تعيشه البلاد فعليًا، ربما في ظل التغيرات الدولية المقبلة ربما لن يعلن رسميًا، إلا أنه فعليًا وواقعيًا سوف يصير أكثر توطدًا وقبولًا. وأن كذبة إجراء انتخابات رئاسية ونيابية لم تعد تنطلي على أحد. وواقعيًا أضحت بمثابة جملة لا محل لها من الإعراب!
وعربيًا، ليس الحال بخافٍ على أحد. وليس لديّ ما أضيفه إلى هول ما نراه يحدث كل يوم. ونظرة واحدة إلى ما حدث ويحدث أمام أعيننا منذ أكتوبر 2023، وما استجد من تطورات مؤخرًا في سورية دليل ليس في حاجة إلى شروحات وتفسيرات، مني أو من غيري، بأن الأمر لن يتوقف عند سورية، بل سيمتد ويطال دولًا أخرى، ويحز رقاب آخرين.
وعلى المستوى الدولي، فإن وصول الرئيس المنتخب دونالد ترامب وعصبته من الشعبويين إلى البيت الأبيض سوف يكون علامة فارقة توثق لمرحلة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر. الأكثر تضررًا منها، في رأيي، لن تكون الصين وحدها بل أوروبا الغربية كذلك. ومن المتوقع وفق التقارير الإعلامية الغربية وضع نهاية للحرب الأوكرانية - الروسية، وخروج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منها ظافرًا غانمًا سياسيًا وعسكريًا، وليس أمام حكومتي لندن وباريس وغيرهما سوى قضم الحصرم.
وصول ترامب إلى البيت الأبيض نذيرٌ إلى أوروبا بمرحلة سياسية جديدة يحمل لواءها الشعبويون من أحزاب وحركات. ومن المحتمل أن تكون ألمانيا أولى القلاع المتهاوية تحت أقدامهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة في بداية العام المقبل. على الأقل هذا ما تؤكده لنا نتائج استبيانات الرأي العام، وتحليلات المعلقين الألمان والأوروبيين. وإذا قبلت أوروبا وارتضت وصول الفاشيين الإيطاليين إلى الحكم، فلن يكون صعبًا عليها قبول سيطرة النازيين الألمان على ألمانيا. وكل ذلك سيتم بنزاهة وفق لوائح اللعبة الديمقراطية والإرادة الشعبية!
أحزاب وحركات اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا التي تضيق بمهاجرين فقراء، يأتونها آملين في حياة كريمة لهم ولأبنائهم، هربًا من القمع والحروب والفاقة والمجاعة، وتعتبرهم تهديدًا خطيرًا للحضارة الغربية وللديمقراطية وللقيم والثقافة الدينية المسيحية، تفتح في ذات الوقت أذرعها مرحبة بوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وتتهيأ لاستقباله مستبشرة!!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات