التهب الصيف أكثر في بنغازي يوم الاثنين الحادي والعشرين من يوليو 1961. أحداث على أحداث توالت وتراكمت وتجمعت مثل كرة الثلج رغم أيام القيظ. ذلك اليوم مع الظروف الأمنية الخاصة برصد تحركات شباب البعث كان ثمة متابعة في جانب آخر لتنظيم عبد القادر العلام الذي تشكل باسم «الوطنيون الأحرار» كما سبقت الإشارة إليه.
التنظيم بدأ في العمل منذ عامين تقريباً. كان العلام قبل فترة منِع من الترشح لعضوية مجلس النواب. في ولاية برقة غدت الأمور تطفو بوضوح بتزاحم القدرات لدى بعض الشخصيات المسؤولة في الولاية. اختلافات في وجهات النظر. مجموعات تؤيد أو تعارض وفقاً لتزاحم وتضاد النفوذ القبلي. التنظيم كان يود الإصلاح والتوجيه ولكن ظل التصادم في النهاية هو الظافر في السباق.
تلك الليلة البعيدة من يوليو القائظ وبالصدفة قبضت دورية من الأمن عند مفترق الفويهات على إبراهيم حماد ورفيقه محمد الفيتوري. كانا في عشاء وسهرة لدى أحد الأصدقاء وخرجا منه بعد منتصف الليل. كانا يسيران على دراجة نارية يقودها حماد. كان الفيتوري يمسك بمجموعة من المجلات الأجنبية استعارها من مضيفهما. وكانت حقيبة الدراجة تحوي مظروفاً به مخطوط كتاب «ليبيا العربية في مفترق الطرق». كان مثل مادة متفجرة تسير معهما أيضاً. فجأة يعترضهما كلب ضخم بالنباح والتتبع من أمام أحد فيلات السكان الأجانب في ذلك الحي. حدث توقف مفاجئ نتيجة لهذا الاعتراض الكلبي. سقطت المجلات وتبعثرت. وبالصدفة خرجت الدورية الأمنية التي كانت تقف على جانب الطريق دون أن يشعرا بها. في ذهن الدورية صورة المنشورات التي كانت تعم المدينة من حزب البعث تلك الأيام. كانت السلطات الأمنية في شبه حالة طوارئ عبر تلك الليالي. والصيف والحر والليل يكشف الأسرار أحياناً.
مباشرة حصل الإيقاف والنقاش وبدأت الشكوك تدور. الدورية اقتنصت صيداً ثميناً دون أن تعرف ماهيته. فتشت الحقيبة. كان بها المخطوط. تجمعت الأدلة بهذا الشكل وزادت فرصة الظنون. أوراق ومظاريف ومجلات واثنان يتجولان آخر الليل وأقرب شيء يثبت عليهما أنهما كانا في حالة توزيع للمنشورات. هذا كان تصور رجال الدورية. لم تنفع المبررات من حماد والفيتوري لنفي التهمة حول التوزيع والمنشورات. القرار كان باقتيادهما على الفور الى مركز بوليس البركة. هناك مواجهات واتهامات أقوى. استدعي ضابط المركز أحمد حسين وكان سكنه قريباً من المركز ثم توافد بقية كبار رجال البوليس. زادت المواجهة ومعها ضربات ولكمات بالأيدي ثم الإيداع في الحجز. الصدفة في الصيف في بنغازي ستوصل الحدث الذي حدث إلى أقصى مدى مع المباحث والنيابة ثم المحكمة وبعدها السجن لأعوام.
كان حماد يدير مطبعة خاصة. مخطوط الكتاب أعده وكتبه محمد عبد الرازق مناع وهو صديق له منذ فترة. كان يود طباعته وتوزيعه. لم تكن ثمة موافقة بالطبع. كان حماد ينوي المتابعة لذلك من جهته وفقا للأمور القانونية والإدارية في هذا السياق. كان مناع من الناشطين الوطنيين تلك الفترة. ولد في بنغازي بداية الثلاثينيات من القرن الماضي. من الذين أسسوا فرقة المسرح الشعبي في بنغازي العام 1956 وشارك في أداء بعض أعمالها ومنها مسرحية (العامل). يجيد بعض اللغات وعمل مترجماً ومعلقاً في الإذاعة وكان يتفق مع حماد والكثيرين في وجود أسباب لأخطاء ومظالم وسلبيات في الولاية. تكفل حماد بالطبع. كان أيضاً من الناشطين الإسلاميين وترك ذلك عندما لم يجد اهتماماً لدى رفاقه بقضايا الشأن العام. انغمس في نشاط نقابات العمال وأعد ركناً إذاعياً ينقل صوتهم. مثل النقابة في لقاءات عربية ودولية والتقى عبدالناصر والمهدي بن بركة والكثيرين.
الكتاب كان سيصدر في الذكرى الخمسين للغزو الإيطالي لليبيا (1911-1961). أراده مناع أن يكون شاملا لإنهاض الوعي والتنوير. متابعة الأخطاء ورصدها ونقدها وحمل خلالها دعوة للاهتمام بالشباب وتدريبهم على السلاح. في جانب آخر بما تضمنه الكتاب من لهجة حادة اعتبر من البعض (كتابا أسود) على الأوضاع السائدة حسب مفهومه في ولاية برقة وظل يدعو لإلغاء النظام الفيدرالي الذي يرسخ الجهوية والقبلية ويلح على تحقيق الوحدة الوطنية وإزالة ما يعوقها. وبهذا اعتبر الكتاب خطيراً ومنشوراً يحرض ويواجه المسؤولين عن جملة السلبيات المتراكمة. قبض على مناع. أطلق سراح الفيتوري بعد يومين من الاحتجاز. بدأت سلسلة التحقيقات في النيابة وكان ثمة إجراءات قاسية في استجوابات المباحث. أودع مناع وحماد في مركز المدينة الرئيسي. ثم الصدفة في الصيف تداعت من الكتاب الى قضية تنظيم العلام.
كان حماد حضر اجتماعات تتصل بالتنظيم. تم الربط في هذه النقاط. تواصلت التحقيقات والاتهامات بلا هوادة. قبض أيضا على العديد من الشباب في المرج وبنغازي. واستنفر المزيد من الجهد لدى جهات الأمن. أصبحت أمام موضوعات البعث والوطنيين الأحرار وكتاب مناع. وصلت الاتهامات إلى شخص ولي العهد. أشير إلى أن ثمة تعاطفاً من جانبه مع ما يحدث. كان حماد يعرفه منذ فترة سابقة. لكن تم نفي ما يتصل بهذه التهم للرجل الثاني في البلاد وطويت القضية. سجن أيضاً ذلك الصيف بعض المسؤولين الكبار وأطلق سراحهم بمن فيهم العلام نفسه وكان قبل ذلك وزيراً للخارجية في حكومة محمد عثمان الصيد ثم أضحى سفيراً لليبيا في العراق. الحساسيات القبلية التي تطفو وتختفي ثم تظهر ظلت تغطي جوانب وتفاصيل هذه القضية وغيرها في واقع الأمر. قد يكون هناك خلال صيف بنغازي أو ليبيا بكاملها صراع السلطات والقبائل وتنازع القدرات والكفاءات وتنافسها. ذلك كون عالماً خاصاً بالسياسة فوق السطح. وكان الملك الذي تعددت مصادر معلوماته وقنوات اتصاله التي تتباين فيها التفاصيل وتبرز التشويشات والالتباسات وتختلط.. كان يعرف اللعبة تماما وكما مر سابقاً ظل يجيد الرؤية لما يدور بين الرؤوس والأطراف. وبقي على الحياد تماماً.
الأحكام صدرت بالسجن ثلاث سنوات مع الحرمان من الحقوق المدنية ودفع غرامة مالية قدرها خمسون جنيهاً. لكن حماد ظل دائماً في دائرة الشبهات. استدعي مرة أخرى بعد إطلاق سراحه في قضية تفجير آبار البترول جنوب مرسى البريقة صيف العام 1965. تولى التحقيقات مع من حامت حولهم الشبهات وكان عددهم يقارب مئة وخمسين شخصاً عبد الحميد البكوش وزير العدل. دامت فترة التحقيق حوالي ثلاثة أشهر ثم استقرت على ثلاثة من المتهمين حكموا بالإعدام خففه الملك إلى المؤبد. القيودات الأمنية كانت تفرض استدعاء كل من تدركه الشبهة حتى الشيخ مصطفى بن عامر تعرض للتحقيق أيضاً في الموضوع ذاته. وكان حماد قد تعرض لمضايقات شديدة داخل السجن. وحسب رواياته كان ثمة تخطيطات من سلطات الأمن لتصفيته داخل السجن من قبل بعض أصحاب الجرائم الجنائية وبعد إطلاق سراحه أيضاً الأمر الذي جعله يصطحب معه مسدساً في جيبه توقعاً لأية مفاجأة قد تحدث في دروب بنغازي. بعض ظروف السجن الصعبة تحسنت كثيراً عندما تولى محمود بوهدمة ولاية برقة وصلته عرائض من حماد. فقام بزيارة السجن ووقف على بعض الحالات بنفسه.
بنغازي والليل والنهار والصيف ومع ذلك بانتهاء قضية الكتاب والتنظيم تشتعل قضايا أخرى مع لهيب الظهائر وسخونة الهجير. محاولة لتفجير منصة الاحتفال بذكرى الجيش في التاسع من أغسطس وسط بنغازي.. أمام الجامعة التي تخرجت دفعتها الثالثة منذ أيام وضمت خلالها مجموعة من النخب.. خالد زغبية وسالم قنيبر وأسعد المسعودي والصادق النيهوم وشعيب المنصوري ومنصور الكيخيا وعبد الحفيظ الزليتني..... وغيرهم. ثم محاولة للتمرد في معسكرات الجيش تضامناً مع إقالة رئيس أركانه. نصال تتكسر على نصال وقضايا تدحرج قضايا جديدة.
والصيف في بنغازي دائماً تتداعى منه الحكايات السوداء والبيضاء مثل أكوام الملح في السباخ الممتدة أمام البصر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات