Atwasat

ما بعد الكارثة

سالم العوكلي الثلاثاء 19 نوفمبر 2024, 04:09 مساء
سالم العوكلي

بتاريخ العاشر من أكتوبر 2023، عشية مجيئي من درنة المطمئنة وقبل احتدام العاصفة، كنت أتحدث مع ابني فراس الذي سألني عن قدر ارتفاع مياه البحر الذي يخيفون منه وأسبابه، وقلت له الخطر على درنة ليس من البحر ولكن من انهيار السدود. وسألني ماذا سيحدث لو انهار السد؟ فقلت له سيغمر أحياء درنة المنخفضة والمحاذية للبحر بالكامل، وشرحت له ما يحويه السد من ماء ومساحة درنة البلاد والجبيلة، وسيغدو الأمر كما تسكب سطل ماء في كوب... إلخ. ثم سأل: وحتى شارع (الفنار)؟، فقلت له طبعًا حتى شارع الفنار. وسؤاله عن هذا الشارع بالذات له حكاية.

ثاني أيام الفجيعة، في مدخل درنة الجنوبي ونحن نهبط إلى حي باب شيحة وفي زحام العربات، قفز فراس من السيارة وركض نحو ثلاثة كيلومترات إلى شارع (الفنار) للاطمئنان على صديق عمره أصيل المدني، وحين وصل إلى بيته كانت الفاجعة التي تركت أثرها فيه إلى الآن، وأدركت حينها لِمَ سألني عن شارع الفنار بالذات. وبمعرفتي المتواضعة وبمساعدة الأسرة كنا نعمل لشهور لاحقة على إعادة تأهيل ابني المصدوم.

حين كنت منذ أيام مع فريق تاسيلي في زيارة للصديق الكاتب، عبدالله هارون عبدالله، لتسجيل حديث معه عن ذاكرة الماء في ذاك الوادي الأخضر الجميل المكتظ بعيون الماء، وعلى إيقاع تدفق ماء عين سرسرة حيث يسكن وقد تغيرت معالم ذاك المكان، تحدث عن شجون الماء مستعينًا بكثير من الحكايات والخرافات الشائعة ونتاج قريحة الشعراء عن الماء، وحدثنا عن حكاية قديمة تخص وادي درنة دون أن تغيب في حديثه نبرة الاستفهام، ملمحًا إلى أن هذه الحكاية يمكن أن تكون واقعةً أو خرافة أو مشهدًا مسرحيًا قُدِّم في تلك الفترة. قال حسب ما يروى حدث فيضان كبير في وادي درنة العام 1933، وتسبب في بعض الخسائر البشرية وفي الممتلكات، وبعد التعافي أقيمت محكمة للوادي على ما اقترفه في حق جيرانه، وكُلِّف محامٍ بالدفاع عن الوادي، وكانت مرافعته أن هذا الوادي لم يرتكب أي جرم لأن هذا هو مجراه الطبيعي الذي شقه عبر مئات أو آلاف السنين، وإن الخطأ يطال من اعترضوا أو تواجدوا في خط سيره، غير أن المدعي على الوادي اعتبره خرج عن هذا الخط المحفور لسيره وفاض على السكان الواثقين من إخلاصه لمجراه...إلخ. وبغض النظر عن نتيجة المحاكمة، وعما إذا كانت هذه الحكاية، خرافة، أو واقعة، أو مشهدًا مسرحيًا، أو تتعلق بفيضان 1959، فإن المقصود، هو الصراع الأزلي بين البشر والطبيعة، حيث قضى الإنسان ردحًا من الزمن وهو يطور آليات ترويضه لهذه الطبيعة لمصالحه، غير أن الطبيعة رغم كل التقدم العلمي والتقني ما زالت عصية على الترويض تمامًا، وما نشاهده من كوارث تُسمى طبيعية يؤكد أنها ما زالت بعيدة عن التدجين رغم ما حققه العلم من تقنيات تساعد على توقع أو التنبؤ ببعض الكوارث قبل حدوثها، والغاية من هذا التنبؤ محاولة إنقاذ أرواح البشر فقط، لأن لا وسيلة لإيقاف هذه الكوارث التي قضت على مئات الملايين منذ بداية التاريخ.

لو أعيدت المحاكمة لوادي درنة بعد كارثة دانيال فكيف سيدافع عن نفسه، فهو أيضًا ضحية هذا الإعصار الذي غيَّرَ معالمه وأزاح كل الجمال الذي أنشأه على ضفافه منذ قرون متعاقبة، فالوادي نفسه والمدينة وتلك الأرواح كلها ضحايا ظاهرة مناخية خارجة عن السيطرة، والطبيعة نفسها فوجئت كما فوجئنا بما حدث، والسبب دائمًا هو الإنسان الذي تسبب في هذه التبدلات المناخية عبر ما يبثه في السماء من سموم وتلوث من أجل إشباع نهمه الاستهلاكي وتلبية متطلبات صراعات الاقتصادات الكبرى التي قد تفتك بهذا الكوكب، وفي ظل هذا النهم، وأمام غضب الطبيعة من انتهاك قوانينها، لم يجد الإنسان حلًا سوى محاولات التنبؤ ببعض الكوارث قبل حدوثها من أجل إنقاذ البشر عبر الإخلاء والنزوح، لكننا للأسف في الدول المتفرجة على هذا الصراع، لم نستفد من هذه الإمكانية، ولا من مراكز الرصد المناخية في بلدنا، وكان سبب الكارثة وحجمها التقليل من خطورة هذه العاصفة كما جاء من مختصين في مراكز الأرصاد والتنبؤ عبر بعض وسائل الإعلام، وعدم أخذ الأمر على محمل الجد، لأنه في مثل هكذا تتبُعٍ لمسار عاصفة مرت بدول سابقة، كانت المعلومات متوفرة، وفي هذه الحالة، أي مختص أو حتى شبه مختص كحالتي، سيتوقع ما سوف أو ما قد يحدث (كما في حديثي لابني عشية الكارثة) للسدود التي صُممت وفق قاعدة بيانات مناخية قديمة لا تناسب ما استجد نتيجة التغير المناخي الذي غير سلوك الطبيعة ونمط المواسم، وفي متابعتي لبعض الأفلام الوثائقية عن كوارث المناخ، جاءت معلومة تقول إنه في العقدين الأخيرين هُدم أكثر من 7000 سد فوق الأرض لأنها أصبحت خطرة، وما عادت تناسب معطيات ما بعد التغير المناخي، ولكن في ظل نظام سابق كان همه الوحيد أن يبقى للأبد في السلطة، ثم نظام جديد أرساه ورثة هذا النظام المتشبثون بالسلطة التي وصلوها عن طريق الانتخابات أو سياسة الأمر الواقع أو المال الفاسد، كنا مشغولين بأزماتنا الداخلية وبملاحقة قوت يومنا، وغير معنيين بمثل هذه الإجراءات التي يفرضها العلم واحترام حياة البشر، وعما لدينا من تقنيات تنبؤ من شأنها أن تقرع أجراس الإنذار، وسلطات تنفيذية تعلن حالة الطوارئ وتطبق الإجراءات اللوجستية للإخلاء، بل إن معلومة خاطئة تماما شاعت قبيل وصول هذه الزوبعة المدارية تخوف الناس من ارتفاع البحر أسهمت بدورها في زيادة الخسائر البشرية.

عن أسباب هذه الكارثة ثار هرج ومرج كثير لا علاقة له علميًا بما حدث، وكان معظمه يصب في خدمة صراعات سياسية أو جهوية أو محاولة تصفية حسابات شخصية، وكان الحديث عن أن السبب هو عدم صيانة هذه السدود مضحكًا لمن يتابع ما حدث من تبدلات مناخية حادة نتيجة التغير المناخي المتطرف، وبسبب أن الكثير من المنشآت في العالم كله صُممت وفق ثوابت مناخية درست وما عادت تصلح للتصدي لعواقب هذه المتغيرات، فعادة ما تكون أعاصير البحر الأبيض المتوسط، أصغر وأضعف من نظيراتها الاستوائية، وتملك مساحات أصغر لكي تتطور. إلا أن تلك الأعاصير المتوسطية، التي تشكلت في سبتمبر 2023، فوق أجزاء من البحر الأبيض المتوسط تشبه الأعاصير الاستوائية العنيفة، وهو ما ينبئ بمخاطر مختلفة تجعل من التخطيط الهندسي للسدود والجسور في المستقبل مختلفًا تمامًا.

كما تحدث البعض عن ضعف البنية التحتية، وهي بنية ضعيفة فعلًا منذ عقود ومتهالكة، غير أن الزوبعة المدارية (دانيال) لم تتحدَّ هذه البنى فقط، ولكن تجاوزت قدرة الوديان الجبلية العتيقة نفسها على التحمل حتى مع عدم وجود سدود فيها، فتغيرت ملامحها ومعالمها جذريًا، وأزيلت أشجار عمرها أكثر من ألف عام من جذورها، وبالتالي كان الحل الوحيد لتجنب هذه الخسائر الفادحة هو الوعي بهذه المتغيرات مسبقًا وهدم السدود المصممة وفق بيانات مناخية قديمة ما عادت تعمل.

في موقع (مناخي) بتاريخ 10 أكتوبر 2023، يقول الدكتور سامح قنطوش، أستاذ الوقاية من الكوارث في جامعة كيوتو اليابانية «لا بد من مراجعة عوامل الأمان داخل السدود في ظل تأثيرات تغير المناخ واشتداد وتيرة الطقس المتطرف». وأضاف أن «السدود تم تنفيذها بمقاييس ثابتة، رغم أن ظروف المناخ حولنا تتغير، لذا فهي تحتاج إلى عمليات من التحديث والتطوير، وهو ما يجرى بشكل منتظم في اليابان، على سبيل المثال، التي تقوم بعمليات التحديث وفق حسابات علمية تتنبأ بما ستكون عليه الظروف البيئية خلال الألف سنة القادمة». وهو هنا يتحدث عن تحديث وتطوير وليس صيانة، غير أن التغيرات السياسية وصراعاتها المجانية أعمت عيوننا عما يخططه التغير المناخي لمستقبلنا الذي سيكون معتمًا إذا لم نستخدم العلم والتخطيط المدروس في مواجهة مخاطره. والآن ما عاد أمامنا سوى التوجه للعلم، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة تأهيل من تعرضوا لهذه الصدمة، والأطفال خصوصًا، الذين أصبح حتى ماء الدش يرعبهم، وقد نشرتُ بتاريخ 30 سبتمبر 2023 إدراجًا على صفحتي نصه «كل ما يحتاجه، الآن، الناجون من الكارثة، المواساة وإعادة التأهيل النفسي، وكل منا في أي مكان ومن بيته من الممكن أن يسهم في هذا الدور، لأن نشر الحالات الإنسانية وأخبار التعاطف الكوني والمحلي، والمنشورات التي تبث الأمل، والتذكير بكوارث حدثت في هذا العالم وتجاوزها الناجون، وبنوا مدنهم من جديد، كل ذلك يساعد أهالي الضحايا والمدن المتضررة، بدل المنشورات التي تبث طاقة سلبية، ولا ترى في الكوب سوى نصفه الفارغ، أو التي تستغل هذه الكارثة الإنسانية لبث الفتن وإثارة الضغائن، وكل هذا يحبط ضحاياها الناجين ويزيد ألمهم ألمًا. ومن المفترض أن يكون هذا دور القنوات الإعلامية الوطنية حين تحس بهذه المسؤولية ولا تبحث عن الإثارة أو مستوى الإقبال عليها بسرد حكايات أو نقل أخبار محبطة.

نحاول أن نسهم ونُغيّر بقلوبنا المتألمة والصافية وهذا أضعف الإيمان». وتظل أعمال إعادة الإعمار السريعة من أهم إجراءات إعادة التأهيل النفسي، وهذا ما يحدث الآن في درنة التي تتعافى بشكل لم يتوقعه أكثر المتفائلين بفضل جهود المخلصين والعارفين بأهمية هذا التعافي السريع لمعالجة اضطرابات ما بعد الصدمة، ولتجاوز أكبر الأحزان في تاريخ هذه المدينة وتداعياتها النفسية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»