Atwasat

حويتة وخميسة وقرين

عمر الكدي الإثنين 18 نوفمبر 2024, 04:03 مساء
عمر الكدي

في طفولتي سمعت رجلًا من أقاربي يتحدث إلى أبي ورجال آخرين، فقال «الدنيا على قرن ثور»، ووافقه الآخرون بهزة من رؤوسهم، وعندما سألت أحدهم كيف هي الدنيا تستقر على قرن ثور، أجابني بأن الثور عندما يتعب ينقل الدنيا إلى القرن الثاني فتحدث الزلازل والبراكين والأعاصير. قال ذلك باطمئنان العالم المتبحر، وبقيت عدة سنوات وأنا مسكون بهذا التصور الذي وافق خيالي الطفولي، قبل أن تطرده حقائق العلم الصلبة، ولكن ذلك لم يمنعني من تتبع هذه الأساطير في ثقافتنا الشعبية وجذورها السومرية والبابلية والمصرية، وكيف انتقلت إلى كل ديانات المنطقة، ولا تزال هذه الرموز والعلامات تستخدم بشكل واسع في كل أنحاء الكرة الأرضية.

ثمة رواية تنسب إلى ابن عباس تقول إن الدنيا خلقت على ظهر حوت وبالتالي فهي ليست كروية وإنما مسطحة، ولأن الحوت غير مستقر أنزل الله ثورًا عملاقًا له سبعون ألف قائمة وأربعة آلاف قرن، فحمل الحوت والدنيا على قرونه، ولأنه مغمور في الماء طوال الوقت، فيكتفي بشهيق واحد ليحصل على ما يحتاجه من هواء، وعندما يستنشق الثور الهواء يضطرب البحر وتعلو الأمواج ويحدث المد والجزر. رواية لطيفة تملأ الفراغات التي تركها العلم، فهذا دور الأسطورة ولكن من أين جاء حبر الأمة ابن عباس بهذا التفسير، بالتأكيد من حبر آخر تحول إلى الإسلام هو كعب الأحبار وهب بن منبه.

الآن لدينا حوت ضخم تحول فيما بعد إلى حويتة، ولدينا ثور بآلاف القرون اختزلت في «قرين». من أين جاءت هذه الرموز والعلامات التي لا يزال الليبيون يؤمنون بها. لا شك أن بعض سكان السواحل وليس جميعهم تعرفوا على الأسماك مبكرًا، وحتى وقت قريب لا تجد من يأكل السمك في ليبيا إلا سكان طرابلس القديمة وزوارة ودرنة، وفي بنغازي حيث يختلط البدو بالحضر لم تنتشر ثقافة السمك إلا مؤخرًا، فكان من المعيب أن يقدم المرءُ سمكًا لضيفه، بينما كان سكان طرابلس القديمة وزوارة يقدمون السمك في كل مناسباتهم الاجتماعية، وفي سنوات المجاعات مات الكثير من الليبيين جوعًا وهم على بعد خطوات من البحر، وهذا يفسر لماذا بيوت سرت القديمة وهراوة وأجدابيا تفتح على الصحراء وليس على البحر. الرمز أو العلامة هو اختزال تجريدي لنمط الإنتاج، أما الثور فكانت قطعانه البرية ترعى من السهول المحاذية لأكاكوس وتسيلي وإلى البراري جنوب غريان وورفلة. كان ذلك عندما كانت الصحراء الكبرى غابة مطيرة، ولابد أن الإنسان الذي عاش هناك اعتمد بشكل كامل على صيد الثيران البرية قبل أن يروضها، وكان أكله وملبسه وبعض سلاحه يأتي من هذا الثور الذي عبده أيضًا في صورة الإله غرزيل. يرمز الثور للقوة والخصوبة فقد رأى الإنسان الثور عندما ينطح أسدًا يطيره في الهواء عدة أمتار، فهو لا يخاف حتى من الأسد ولا يستطيع أسد واحد صيد الثور لابد من ثلاثة إلى أربعة أسود حتى يتمكنوا من الثور، كما رأى فحولته وهو ينتقل من بقرة إلى أخرى، ولكن هناك صفة أصيلة في الثور انتقلت إلى الإنسان الليبي وهي العناد، ووقائع ثورة فبراير تثبت أن الليبي إذا ثار يتحول إلى ثور في الشجاعة والإقدام والعناد.

لم يصبح الإنسان إنسانًا إلا عندما انتصب على قدميه وحرر يديه. اليد هي التي صنعت كل شيء، ولهذا خلدها الجرمنتيون على شكل «خميسة». ماذا اخترع الإنسان الليبي غير العجلة التي تنسب إلى الجرمنت، واليد هي التي بنت الأهرامات وشقت أخاديد الري عندما بدأت البيئة تتصحر، وحنطت أقدم مومياء في العالم، وبعد أن أجبرته التغييرات المناخية على الرحيل، رحل الجرمنتي إلى وادي النيل حاملًا معه معتقداته وأهراماته ومومياته، ولكنه لم ينس أهم رمز وهو مثلث تانيت، فمعظم الأهرامات في مصر تتكون من ثلاثة أسطح مثلثة، وفي مصر ظهر هرمس ثلاثي العظمة، والذي يسميه المصريون آخنوخ وهو نفس الاسم لدى الطوارق، ويسميه المسلمون إدريس لأنه جمع بين النبوة والملك والحكم، بالإضافة إلى الثلاثي المقدس إيزيس وأزوريس وحورس. الخميسة هي رمز الشمس وأشعتها، والذي اخترع العجلة لابد اخترع قبلها الفأس والمحراث والمنجل. الشمس هي رمز المزارع لذلك عبدها في وادي النيل باسم رع آمون، بينما القمر رمز الراعي ومعبوده. سنجد المثلث والمخمس بوفرة في التراث الليبي والمغاربي، فقبل أن يصبح العلم المغربي بنجمة خماسية تتوسطه، كانت النجمة السداسية هي التي تتوسط العلم، ولا علاقة لليهود بالنجمة السداسية قبل القرن الثامن عشر.

شاهدت العديد من أشكال الخميسة ورسم على بعضها أكثر من سمكة، وخاصة الخميسة الزرقاء التي ثُبتت فيها على راحة الكف عين زرقاء. رسمت السمكة بخطين منحنيين عندما يلتقيان يصنعان رأس السمكة، وعندما يتقاطعان يصنعان ذيل السمكة الذي يكون مثلثًا ناقصا ضلعا. الخطان المنحنيان اللذان صنعا السمكة على شكل هلالين. هل هما هلالان أم قرنا الثور؟ ليس هناك أبرع في التجريد من فنان ما قبل التاريخ. لقد اختزل كل هذه المنظومة من الرموز والدلالات بضربتين بإزميله أو بفرشاته.

رمز الهلال قبل أن يصبح رمزًا إسلاميًا هو رمز قديم للأنوثة في العديد من الحضارات القديمة، وقد ربطوا بين الدورة القمرية الشهرية ودورة الحيض عند المرأة، ولهذا عبدوا القمر في المرحلة الأمومية مثل الآلهة والتي عبدها سكان جنوب الجزيرة العربية، والتي انتهت مع اكتشاف الزراعة ليتحول المعبود إلى إله ذكر، وربما في هذه الفترة ظهر غرزيل كمعبود ذكر، ولم يجد الإنسان أفضل من الثور كرمز له، ولكنه لم ينس معبودته الأقدم فحول قرني الثور إلى هلالين، ولأنه أصبح مزارعًا فأصبح الشكل يرمز أيضًا إلى المنجل أو إلى العرجون، وهكذا تداخلت أنماط الإنتاج قبل أن يظهر ماركس ويفسر لنا أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج، حتى ابن خلدون بعبقريته الفذة لم يذكر أنماط الإنتاج، وإنما اكتفى بذكر اختلاف الناس في معاشها «أعلم أن اختلاف الناس في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش»، فالإقطاع والرأسمالية لم تظهرا بعد ليأتي ماركس ويحللهما ببصيرة نافذة. بقيت تحليلات ماركس العلمية واختفت أوهامه الأيديولوجية.

مثلث تانيت اتخذ أشكالًا عديدة ولكنه ظل مثلثًا، ثم اختزله الليبيون في مثلثهم الأشهر «حويتة وخميسة وقرين». السمكة ذيلها مثلث ورأسها مثلث، والثور رأسه مثلث والخميسة تشير إلى أنماط الإنتاج الخمسة التي خضعت لها ليبيا، مع تداخل هذه الأنماط واختلاف الشخصية في كل نمط، ولكن الذي يجمعها هو هذا المثلث، مثلما جمعت ليبيا المستقلة الأقاليم الثلاثة، وخضعت أكثر من أربعين عامًا لفصول الكتاب الأخضر الثلاثة، وها هي تحاول من جديد جمع أشلائها الثلاثة مثل طائر الفينيق، بالرغم من أن أنماط الإنتاج القديمة اختفت ولكن شخصية كل نمط ظلت حية وتؤمن بفعالية «الحويتة والخميسة والقرين».
في أسطورة الطوارق تانس ووانس ثمة ثلاث شخصيات، وهي تانس وشقيقها وانس والغزال. يتحول النصف الأعلى من وانس إلى غزال وعلقت في قرني الغزال أحجبته التي كان وانس يعلقها في عنقه. الحجاب عادة يكون مثلث الشكل. وهذا قدر ليبيا ثلاث مدن في غربها وخمس مدن في شرقها، وثلاثة جبال تحدد حدودها. الجبل الغربي والجبل الأخضر وجبال تيبستي. العرس الليبي بالرغم من أنه يمتد سبعة أيام، إلا أنه يتكون من ثلاث ليالٍ، وهي ليلة الحناء وليلة القنديل وليلة الدخلة، وعندما يدخل العريس على العروس في ليلة الدخلة، يُرمى أمامه في الماء فأس وضعت في النار حتى أصبحت حمراء. الفأس مثلثة الشكل دلالتها أن الآلهة تانيت لا تزال تحمي الليبيين من السحر في ليلة دخلتهم حتى بعد أن تحولوا إلى مسلمين، وهم مسلمون كانوا في طرابلس يضعون على بيت العزاء هلالًا ونجمة خماسية مزودة بمصابيح كهربائية، وفي عملات قورينا القديمة يظهر نبات السلفيوم بساق طويلة تتفرع منها ثلاثة أزواج من البتلات، كما توجد على الوجه الآخر من العملة صورة الإله زيوس آمون بوجه رجل وقرني كبش، وهو رمز حديث نسبيًا إذا قارناه بقرني ثور الإله غرزيل. مثلث وقرن وخميسة وسمكة لم تنقذ الليبيين من تصحر بلدهم. هم في الحقيقة لم يصنعوا شيئًا سوى العجلة، وعندما تصبح ليبيا غنية فليس بفضل جهد أهلها وإنما بفضل سخاء الطبيعة. في زمن السلفيوم كانت ليبيا أغنى بلد على البحر المتوسط، وفي زمن النفط أصبحت أيضًا غنية، وعندما أجبر الليبيون على العمل اعتمدوا لقرون متعاقبة على ثلاثة مصادر للثروة، وهي القرصنة البحرية وتجارة القوافل وتجارة العبيد، واليوم يهربون النفط والمهاجرين الأفارقة وأنواع السلع كافة، إنه نفس النشاط القديم يعود بوسائل حديثة، إلا أن الصراع بين المزارع والراعي وبين قرني الكبش وقرني الثور لا يزال مستمرًا، بالرغم من أن الحويتة والخميسة والقرين وحدتهم إلى الأبد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»