Atwasat

عن فوزية

منصور بوشناف الخميس 14 نوفمبر 2024, 12:51 مساء
منصور بوشناف

في‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬‮«‬العاشقة‭ ‬الطرابلسية‮»‬،‭ ‬يتتبع‭ ‬‮«‬يونس‭ ‬شعبان‭ ‬الفنادي‮»‬‭ ‬سيرة‭ ‬الشاعرة‭ ‬والقاصة‭ ‬والصحفية‭ ‬‮«‬فوزية‭ ‬شلابي‮»‬،‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭ ‬وحتى‭ ‬لحظات‭ ‬توقفها‭ ‬عن‭ ‬النشر،‭ ‬وسيرة‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬الثقافية‭ ‬هي‭ ‬سيرة‭ ‬أحد‭ ‬أركان‭ ‬الثقافة‭ ‬الليبية‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬تقريباً‭ ‬‮«‬السبعينيات‭ ‬والثمانينيات‭ ‬والتسعينيات‭ ‬وحتى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬من‭ ‬أصعب‭ ‬سنوات‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬ففيها‭ ‬تعرضت‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬لعمليات‭ ‬إجهاض‭ ‬وتدمير‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬جديدة‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬أهداف‭ ‬وغايات‭ ‬غير‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تأسس‭ ‬عليها‭ ‬الكيان‭ ‬الليبي‭ ‬الحديث؛‭ ‬حيث‭ ‬قفلت‭ ‬الصحافة‭ ‬ودور‭ ‬النشر‭ ‬والمكتبات‭ ‬الخاصة‭ ‬وأممت‭ ‬التجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬وضربت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬لتدار‭ ‬بلجان‭ ‬شعبية،‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬ابتدأ‭ ‬بخطاب‭ ‬زوارة‭ ‬الذي‭ ‬قلب‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬ضحاياه‭ ‬المثقفون‭ ‬بمختلف‭ ‬مشاربهم‭ ‬وتوجهاتهم‭ ‬الفكرية؛‭ ‬حيث‭ ‬أطلق‭ ‬عليهم‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬المرضى‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يجب‭ ‬عزلهم‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬والمعتقلات‭.‬

من‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الخماضة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يسميها‭ ‬المخرج‭ ‬الراحل‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬العلاقي‮»‬‭ ‬خرجت‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي،‭ ‬شابة‭ ‬ليبية‭ ‬متميزة‭ ‬بطموحات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬التحرر‭ ‬والنهضة‭ ‬عبر‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬والسياسي‭.‬

فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬كانت‭ ‬شابة‭ ‬مثقفة‭ ‬وقارئة‭ ‬ممتازة،‭ ‬وكانت‭ ‬الساحة‭ ‬الثقافية‭ ‬الليبية‭ ‬صدى‭ ‬للساحات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭ ‬عموماً‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬بشعاراتها‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬غالبها‭ ‬كرفض‭ ‬للهزيمة‭ ‬العربية‭ ‬ومحاولة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬لأنظمة‭ ‬الهزيمة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬التحرير‭ ‬والنهضة‭.‬

كانت‭ ‬فلسطين‭ ‬وبيروت‭ ‬أهم‭ ‬مراكز‭ ‬تلك‭ ‬الشعارات‭ ‬والقيم؛‭ ‬حيث‭ ‬تمركزت‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬واللبنانية‭ ‬هناك‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

ثقافة‭ ‬المقاومة‭ ‬كانت‭ ‬تقاوم‭ ‬هناك‭ ‬شعراً‭ ‬ونثراً‭ ‬وتنظيراً‭ ‬وكان‭ ‬وجدان‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬الليبية‭ ‬يتشكل‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬محاولاً‭ ‬المزاوجة‭ ‬بين‭ ‬الشعارات‭ ‬الليبية‭ ‬القومية‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬وبين‭ ‬تلك‭ ‬الشعارات‭ ‬والقيم‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬وفلسطين‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬النبع‭ ‬يتشكل‭ ‬ويخرج‭ ‬صوت‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬الشعري‭ ‬والقصصي‭ ‬والتنظيري‭ ‬ويتتبع‭ ‬‮«‬يونس‭ ‬شعبان‭ ‬الفنادي‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬المسير‭ ‬في‭ ‬أعمالها‭ ‬الشعرية‭ ‬والقصصية‭ ‬والصحفية‭ ‬ويقدم‭ ‬لنا‭ ‬بانوراما‭ ‬عن‭ ‬أعمالها‭ ‬عبر‭ ‬مقالات‭ ‬يربطها‭ ‬جميعاً‭ ‬وجدان‭ ‬وإنتاج‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬الشاعرة‭ ‬والصحفية‭ ‬والقاصة‭ ‬والروائية‭.‬

فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬أحد‭ ‬أركان‭ ‬الثقافة‭ ‬الليبية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬أنتجها‭ ‬الواقع‭ ‬الليبي‭ ‬عبر‭ ‬ثلاتة‭ ‬عقود‭ ‬وشهدت‭ ‬تحولات‭ ‬عنيفة‭ ‬وقاسية،‭ ‬امتازت‭ ‬بالهدم‭ ‬ومحاولة‭ ‬البناء‭ ‬ثم‭ ‬الهدم‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬كانت‭ ‬ليبيا‭ ‬حقاً‭ ‬حقل‭ ‬تجارب‭ ‬مرتجلة،‭ ‬وكانت‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تعاني‭ ‬الهدم‭ ‬المرتجل‭ ‬والبناء‭ ‬على‭ ‬جرف‭ ‬ثقافي‭ ‬هار،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬صوته‭ ‬الخاص‭ ‬وسط‭ ‬ضجيج‭ ‬المسيرات‭ ‬والأناشيد،‭ ‬فليبيا‭ ‬كانت‭ ‬وبجدارة‭ ‬بلد‭ ‬‮«‬المليون‭ ‬نشيد‮»‬‭ ‬ومليار‭ ‬مسيرة‭ ‬مؤيدة،‭ ‬وكانت‭ ‬بالطبع‭ ‬بلد‭ ‬المعتقلات‭ ‬والمشانق‭ ‬للرأي‭ ‬المخالف‭ ‬والمختلف،‭ ‬ومن‭ ‬قلب‭ ‬تلك‭ ‬المعمعة‭ ‬برزت‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬كأحد‭ ‬البنائين‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الجرف‭ ‬الهاري،‭ ‬يعلو‭ ‬صوتها‭ ‬الشعري‭ ‬المتمرد‭ ‬ومقالاتها‭ ‬الرافضة‭ ‬لواقع‭ ‬الأمة،‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬رامبو‭ ‬وجيفارا‭ ‬وشيخ‭ ‬إمام‭ ‬وسناء‭ ‬محيدلي‭ ‬وناجي‭ ‬العلي‮»‬‭ ‬بألوان‭ ‬وخطوط‭ ‬سبتمبر‭ ‬الليبي،‭ ‬لتعطي‭ ‬لسبتمبر‭ ‬بعداً‭ ‬ثورياً‭ ‬مقاوماً‭ ‬وتمنح‭ ‬المقاومة‭ ‬العريية‭ ‬شرعية‭ ‬ليبية،‭ ‬كان‭ ‬أهم‭ ‬إنتاجات‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬قد‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬شعراً‭ ‬ونثراً،‭ ‬كتباً‭ ‬وصحافة،‭ ‬وتتوجت‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬باحتلال‭ ‬إسرائيل‭ ‬لبيروت‭ ‬وطرد‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وبرقية‭ ‬القذافي‭ ‬التي‭ ‬أعلن‭ ‬فيها‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬نصرة‭ ‬المقاومة‭ ‬والتخلي‭ ‬عنها‭ ‬للرعاية‭ ‬الإلهية،‭ ‬‮«‬صبراً‭ ‬آل‭ ‬ياسر‮»‬‭ ‬فلا‭ ‬وعد‭ ‬للمقاومة‭ ‬إلا‭ ‬الشهادة‭ ‬والجنة‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬برقيته‭ ‬لياسر‭ ‬عرفات‭ ‬وسط‭ ‬الحصار‭.‬

كانت‭ ‬محاولات‭ ‬النظام‭ ‬الليبي‭ ‬لإيجاد‭ ‬مكان‭ ‬ولعب‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تنهار‭ ‬إثر‭ ‬نتائج‭ ‬ذلك‭ ‬الغزو‭ ‬لبيروت،‭ ‬وتعرت‭ ‬مناوراته‭ ‬رغم‭ ‬الأناشيد‭ ‬والمسيرات‭ ‬والخطب‭ ‬النارية،‭ ‬وظهر‭ ‬وكـأي‭ ‬نظام‭ ‬عربي‭ ‬عاجز‭ ‬وفاشل‭ ‬ومناقض‭ ‬لشعاراته‭.‬

في‭ ‬روايتها‭ ‬المهمة‭ ‬‮«‬رجل‭ ‬لرواية‭ ‬واحدة‮»‬‭ ‬تكتشف‭ ‬بطلتها‭ ‬أن‭ ‬حبيبها‭ ‬العسكري‭ ‬الثوري‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬وجهاً‭ ‬آخر‭ ‬للرجل‭ ‬العربي‭ ‬الرجعي‭ ‬المتخلف،‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬والأمة‭ ‬إلا‭ ‬غنيمة‭ ‬ومأدبة‭ ‬من‭ ‬اللحم،‭ ‬‮«‬إنك‭ ‬تعهرني‮»‬‭ ‬تكتب‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬رسالتها‭ ‬الأخيرة‭. ‬تجربة‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬وجيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬الليبيين،‭ ‬تجربة‭ ‬مهمة‭ ‬نحتاج‭ ‬لدراستها‭ ‬وفهمها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فهم‭ ‬واقعنا‭ ‬الراهن‭ ‬الثقافي‭ ‬والسياسي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬فلا‭ ‬زالت‭ ‬ملامح‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬حاضرة‭ ‬وسط‭ ‬جعجعة‭ ‬الفراغ‭ ‬الثقافي‭ ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬المثقف‭ ‬يفقد‭ ‬صوته‭ ‬وسط‭ ‬المسيرات‭ ‬المسلحة‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»