في كتابه عن «العاشقة الطرابلسية»، يتتبع «يونس شعبان الفنادي» سيرة الشاعرة والقاصة والصحفية «فوزية شلابي»، منذ بداياتها وحتى لحظات توقفها عن النشر، وسيرة فوزية شلابي الثقافية هي سيرة أحد أركان الثقافة الليبية الحديثة على مدى ثلاثين عاماً تقريباً «السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وحتى بدايات القرن الواحد والعشرين»، وكانت هذه السنوات من أصعب سنوات الثقافة في ليبيا، ففيها تعرضت الثقافة في ليبيا لعمليات إجهاض وتدمير وإعادة بناء على أسس جديدة ومن أجل أهداف وغايات غير تلك التي تأسس عليها الكيان الليبي الحديث؛ حيث قفلت الصحافة ودور النشر والمكتبات الخاصة وأممت التجارة والصناعة وضربت المؤسسات الحكومية لتدار بلجان شعبية، وكان كل ذلك قد ابتدأ بخطاب زوارة الذي قلب كل شيء رأساً على عقب، وكان أول ضحاياه المثقفون بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية؛ حيث أطلق عليهم لقب «المرضى» الذين يجب عزلهم في السجون والمعتقلات.
من قلب هذه «الخماضة» كما يسميها المخرج الراحل «محمد العلاقي» خرجت فوزية شلابي، شابة ليبية متميزة بطموحات كبيرة في التحرر والنهضة عبر العمل الثقافي والسياسي.
فوزية شلابي كانت شابة مثقفة وقارئة ممتازة، وكانت الساحة الثقافية الليبية صدى للساحات الثقافية في الشرق الأوسط والثقافة العربية عموماً في تلك الفترة بشعاراتها التي جاء غالبها كرفض للهزيمة العربية ومحاولة البحث عن بدائل لأنظمة الهزيمة العربية من أجل تحقيق التحرير والنهضة.
كانت فلسطين وبيروت أهم مراكز تلك الشعارات والقيم؛ حيث تمركزت المقاومة الفلسطينية واللبنانية هناك ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ثقافة المقاومة كانت تقاوم هناك شعراً ونثراً وتنظيراً وكان وجدان فوزية شلابي الليبية يتشكل من هناك أيضاً محاولاً المزاوجة بين الشعارات الليبية القومية الحاكمة في تلك الفترة وبين تلك الشعارات والقيم في بيروت وفلسطين.
من هذا النبع يتشكل ويخرج صوت فوزية شلابي الشعري والقصصي والتنظيري ويتتبع «يونس شعبان الفنادي» هذا المسير في أعمالها الشعرية والقصصية والصحفية ويقدم لنا بانوراما عن أعمالها عبر مقالات يربطها جميعاً وجدان وإنتاج فوزية شلابي الشاعرة والصحفية والقاصة والروائية.
فوزية شلابي أحد أركان الثقافة الليبية الحديثة التي أنتجها الواقع الليبي عبر ثلاتة عقود وشهدت تحولات عنيفة وقاسية، امتازت بالهدم ومحاولة البناء ثم الهدم من جديد، كانت ليبيا حقاً حقل تجارب مرتجلة، وكانت الثقافة في ليبيا تعاني الهدم المرتجل والبناء على جرف ثقافي هار، وكان على المثقف أن يفقد صوته الخاص وسط ضجيج المسيرات والأناشيد، فليبيا كانت وبجدارة بلد «المليون نشيد» ومليار مسيرة مؤيدة، وكانت بالطبع بلد المعتقلات والمشانق للرأي المخالف والمختلف، ومن قلب تلك المعمعة برزت فوزية شلابي كأحد البنائين على ذلك الجرف الهاري، يعلو صوتها الشعري المتمرد ومقالاتها الرافضة لواقع الأمة، كانت تحاول أن ترسم صورة «رامبو وجيفارا وشيخ إمام وسناء محيدلي وناجي العلي» بألوان وخطوط سبتمبر الليبي، لتعطي لسبتمبر بعداً ثورياً مقاوماً وتمنح المقاومة العريية شرعية ليبية، كان أهم إنتاجات فوزية شلابي قد ظهر في تلك المرحلة شعراً ونثراً، كتباً وصحافة، وتتوجت تلك المرحلة باحتلال إسرائيل لبيروت وطرد المقاومة الفلسطينية وبرقية القذافي التي أعلن فيها العجز عن نصرة المقاومة والتخلي عنها للرعاية الإلهية، «صبراً آل ياسر» فلا وعد للمقاومة إلا الشهادة والجنة كما قال القذافي في برقيته لياسر عرفات وسط الحصار.
كانت محاولات النظام الليبي لإيجاد مكان ولعب دور في العالم قد بدأت تنهار إثر نتائج ذلك الغزو لبيروت، وتعرت مناوراته رغم الأناشيد والمسيرات والخطب النارية، وظهر وكـأي نظام عربي عاجز وفاشل ومناقض لشعاراته.
في روايتها المهمة «رجل لرواية واحدة» تكتشف بطلتها أن حبيبها العسكري الثوري ليس إلا وجهاً آخر للرجل العربي الرجعي المتخلف، لا يرى في المرأة والأمة إلا غنيمة ومأدبة من اللحم، «إنك تعهرني» تكتب له في رسالتها الأخيرة. تجربة فوزية شلابي وجيل كامل من المثقفين الليبيين، تجربة مهمة نحتاج لدراستها وفهمها من أجل فهم واقعنا الراهن الثقافي والسياسي والاجتماعي، فلا زالت ملامح ذلك الجيل حاضرة وسط جعجعة الفراغ الثقافي ولا زال المثقف يفقد صوته وسط المسيرات المسلحة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات