كلام مهم، إن لم أقل خطير بالنظر إلى توقيته، وقبل ذلك محتواه وتوابعه، وأقصد تصريح وزير الدفاع التونسي، خالد السهيلي الذي أدلى به أمام مجلس الشعب في تونس أمس بشأن «ترسيم الحدود الليبية - التونسية»، وتناقلته عديد وسائل الإعلام التونسية، والعربية، ولأهميته أنقله حرفيًّا عن تسجيل مصور «فيديو» للتصريح، يقول الوزير: «إن تونس لن تسمح بالتفريط في أي شبر من التراب الوطني، علمًا بأن الحدود ومتابعتها يتم على مستوى لجنة مشتركة تونسية - ليبية، دورها تحديد، وضبط الحدود، وهي مكونة من وزارتي الدفاع، والداخلية».. وأنا أعتبر أن هذا التصريح ملغوم، وليس وقته الآن؛ حيث تغرق الدولتان (تونس وليبيا) في مشاكل داخلية معقدة، هي ما يجب أن يحظى بأولوية الاهتمام، والمعالجة، ثم أنه مبني في اعتقادي على معلومات ليست دقيقة، إن لم أقل ليست صحيحة.
فما أعلمه وغيري من الليبيين، هو أن حدود ليبيا مع جيرانها مرسومة منذ عقود، ومعزَّزة بمبدأ تثبيت واحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار الذي تبنته «منظمة الوحدة الأفريقية» للحفاظ على استقرار القارة في مرحلة ما بعد الاستعمار، عدا الحدود مع الجزائر التي لم يستكمل ترسيمها، أما الحدود البحرية بين ليبيا والشقيقة تونس فقد حسمت أمرها محكمة العدل الدولية بحكمها لصالح ليبيا في قضية الجرف القاري المعروفة وصار حقل البوري، وهو محور النزاع، مجالًا للتعاون لما فيه صالح الدولتين.
من هنا أستغرب إثارة الأشقاء في تونس موضوع الحدود مرة أخرى، وقد سبق ذلك حديث مشابه على لسان رأس الدولة، قيس سعيد، يتعلق بما وصفه حصة تونس في حقل البوري، وقد كتبت تعليقًا حينها على كلام الرئيس سعيد قلت فيه إن التصريح يمكن قراءته من زاويتين: الأولى، أفترض فيها حسن النية، جراء نقص الخبرة السياسية، وربما غياب دور المستشارين المتخصصين؛ إذ كان يفترض طرح مثل هذه المسائل بين الجهات المعنية في الدولتين التونسية والليبية داخل المكاتب وفي قاعات الاجتماعات، في سياق علاقات التعاون ونصوص الاتفاقيات المنبثقة عنها بين الدولتين الجارتين، وليس طرحًا إعلاميًّا مثيرًا للرأي العام تنقصه الحقيقة، مثلما فعل الرئيس سعيّد، أما الثانية فأفترض فيها سوء النية، وأسأل من وما الذي دفع الرئيس التونسي إلى طرح هذا الأمر، في هذا التوقيت، وبهذه الكيفية؟ وماذا يريد من ورائه؟ وهل لم تكفه أزمات الداخل، ليفجر – يدري أو لا يدري- أزمة مع الخارج، وهذه المرة مع جارته الشرقية ليبيا، في وقت يحتاج البلدان مناخًا ثنائيًا يدفع ويشجع نحو مزيد من توثيق التعاون بينهما في مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، ومزيد ترسيخ الثقة وروح الجيرة بين أبناء شعبيهما.
ماذا سيتفيد الرئيس قيس سعيد من إطلاق تصريحه الملغوم؟ وعلى أي أساس فعل ذلك، وهو الخبير القانوني والمسؤول الأول على رأس الدولة في بلاده الذي يعلم محتوى الحكم الذي فصلت فيه محكمة العدل الدولية قبل 40 عامًا في قضية الجرف القاري بين ليبيا وتونس التي تقدم بها الطرفان وفق اتفاق خاص بينهما إلى المحكمة في العام 1978، لتحديد مبادئ وقواعد القانون الدولي التي تنطبق على ترسيم الحدود بينهما، وكان أن صدر الحكم في فبراير 1982 لصالح ليبيا، ويعلم أن حكم محكمة العدل الدولية، هو حكم نهائي بات وملزم.
أما ما أشار إليه من حديث عن تقاسم حقل البوري، فلم يرد هذا بالطبع لا في حكم المحكمة، ولا في اتفاقيات التعاون اللاحقة التى جرى توقيعها على خلفية ذلك الحدث، وما جرى هو التوقيع على ثلاث اتفاقيات، الأولى تتعلق بتنفيذ حكم محكمة العدل الدولية، والثانية بإنشاء مشروع مشترك لبحوث النفط واستغلاله، والثالثة بشأن تمويل مشاريع مشتركة حسب نسبة عائدات النفط، ومنها مشروع طريق رأس جدير - بنغردان، ولم تحدد مصدرًا بعينه لهذه العائدات؛ بمعنى لم تأت على ذكر اسم «حقل البوري»، ومع هذا سيكون منطقيًا وطبيعيًا طرح مسألة الاستفادة المشتركة من هذا الحقل بالصيغة التي يتم الاتفاق بشأنها بين مسؤولي، وخبراء البلدين، انطلاقًا من مبدأ التعاون لما فيه مصلحة شعبي البلدين، وما تفرضه أحكام الجيرة، والتاريخ والجغرافيا، زد عليها هذا التداخل الاجتماعي الذي يميز ويوثق هذه العلاقة (انتهى تعليقي على كلام الرئيس قيس سعيد).
أعود إلى تصريح وزير الدفاع التونسي وأقول مستغربًا أيضًا ما ذكره بشأن تشكيل لجنة متابعة مشتركة بالخصوص، تونسية - ليبية مكونة من وزارتي الدفاع والداخلية، ووجه الاستغراب هو ما الذي يجبر الجانب الليبي على فتح ملف حساس مغلق، محليًّا وإقليميًّا، ثم كيف تستبعد وزارة الخارجية وهي الواجهة الأولى لهكذا قضايا، وهي التي تقود عبر فريق من الخبراء المختصين أية مفاوضات بهذا الشأن.. وأسأل هنا من باب التأكد: هل الخارجية الليبية على علم بما أفصح عنه وزير الدفاع التونسي؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا يجري تغييب هذا الشعب الليبي صاحب الشأن الأساسي في القضية؟ ومن فوض أي جهة ليبية بالتعاطي معها باسم ليبيا، خصوصًا في ظل حالة الانقسام الحكومي وهشاشة الدولة التي تعيشها البلاد؟ وحتى تتوفر الظروف بإنتاج حكومة منتخبة موحدة تمثل ليبيا كاملة يبقى ليس من حق أي جهة التورط في فتح ملفات حساسة من هذا النوع.
ويبقى كذلك أن نقول للأشقاء في تونس إن طرح هذا النوع من الملفات ليس وقته الآن نظرًا للظروف الاستثنائية التي يمر بها البلدان؛ بل هو وقت يحتاج فيه البلدان مناخًا ثنائيًا يدفع ويشجع نحو مزيد من توثيق التعاون بينهما في مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، ومزيد ترسيخ الثقة وروح الجيرة بين أبناء شعبيهما.
أخيرًا أتساءل: ألا يحتاج تصريح وزير الدفاع التونسي تعليقًا رسميًّا من الجانب الليبي، يطلع الرأي العام الليبي على حقيقة ما يجري بالخصوص؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات