أصدر المجلس الرئاسي قراره رقم «18» لسنة 2024 بشأن إنشاء المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني، وهنا نحن لسنا بصدد الحديث عن شرعية وقانونية القرار؛ فيقينًا هو والعدم سواء لمخالفته الإعلان الدستوري الموقت، والاتفاق السياسي، والتشريعات القائمة، واتفاق جنيف الذي حدد مهام المجلس الرئاسي وآلية اتخاذ قراراته.
لكننا هنا نناقش القرار بعيدًا عن المماحكات السياسية وسياسة «البونطوات» كما يسميها الليبيون، نناقش فرص أن يكون مخرجًا للقضية الليبية يقود للاستقرار أم وسيلة لتعقيد المشهد والدخول في مسارات ومتاهات أخرى بعيدًا عن جوهر القضية.
ومن أجل ذلك دعونا نطرح بعض الأسئلة حول هذه الفكرة ونحاول الإجابة عنها لتتضح الرؤية.
أولًا: هل فكرة الاستفتاء والاستعلام يمكن من خلالها تحقيق تقدم في القضية الليبية؟
والإجابة تعتمد على ما هي القضايا محل الاستفتاء أو الاستعلام عليها وعلاقتها بالقضية الليبية، كذلك من يحددها؟ وبالعودة إلى قرار المجلس الرئاسي نلاحظ أنه لم يشر إلى هذه القضايا أو الجهة التي تحددها، بل اكتفى في مادته الأولى بتعريف الاستفتاء بكونه «عرض أحد الموضوعات التشريعية أو السياسية والإدارية على الشعب لأخذ الرأي بشأنها، وتعتبر نتائجه ملزمة لجميع الأطراف والجهات في الدولة...».
وهنا نلاحظ أن التعريف عام ويتحدث عن موضوعات وليس قضايا خلافية، وحددها بتشريعية وسياسية وإدارية كما أنه لم يحدد نسبة الموافقة المُلزمة، ما يقودنا إلى السؤال التالي:
هل مشكلة ليبيا تتمثل في موضوعات تشريعية وسياسية وإدارية؟ أم أن هناك قضايا خلافية أساسية لبناء الدولة مختلف عليها، مثل: السلاح، والحكم المحلي، وإدارة الثروة، ومنصب رئيس الدولة، والمواطنة، والخطاب الديني وغيرها. هل الاستفتاء سيكون حول هذه القضايا أم سيكون محوره مماحكة سياسية ومواضيع إدارية وتشريعية وسياسية بعيده عن ذلك؟
وبخصوص من يحدد المواضيع المطروحة للاستفتاء، ففي ليبيا أطراف صراع يملكون النفوذ المادي والسياسي والاجتماعي وبالتالي إذا جرى تحديد مواضيع الاستفتاء أو الاستعلام بمعزل عنهم، فلن تُقبل نتائجه، وعليه لا بد من توافق هذه الأطراف حول القضايا الخاصة. والملاحظ أن المجلس الرئاسي أصبح طرفًا في الصراع ولم يعد محايدًا كما كانت الفكرة من وجوده.
ولا بد أيضًا أن تقود هذه القضايا إلى استعادة الدولة وبناء مؤسساتها وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهذا ما لم يحدده القرار بدقة إذ جاء نصه غامضًا يتحدث عن مواضيع تشريعية وسياسية وإدارية وكأنه يوحي بأن الاستعلام أو الاستفتاء هو وسيلة لضرب الخصوم وإقصائهم من خلال كلمة حق أريد بها باطل وهي إرادة الشعب.
ما يقودنا إلى القول بأن ترك تحديد قضايا الاستفتاء أو الاستعلام لمزاج طرف من أطراف الصراع، كما هو واضح من القرار، يهدد بدخول البلاد في دوامة من الاستفتاءات والاستعلامات؛ فكل طرف لديه مواضيع وجمهور، ولكن هل يستطيع أي طرف فرض نتائج هذا الاستفتاء أو الاستعلام على الآخرين؟ بالتأكيد لا لأن الأطراف المختلفة ستدفع بالقول بجدارة موضوعاتها للاستفتاء.
ومن الليبيين من يرغب في تسلم القوات المسلحة زمام الأمور لمدة زمنية معينة لحين استقرار البلاد، ودافعهم في ذلك ما تحقق في برقة وفزان، وآخرون يرون أن عودة الملكية الدستورية واستدعاء ولي العهد تحقق الاستقرار وتنهي صراع الشرعية، وهناك من يطالب بالاستفتاء على مشروع الدستور وتطبيقه فورًا، وغيرها. كل هذه مواضيع سياسية وتشريعية تنهي الجدل القائم وتحقق الاستقرار من وجهة نظر طالبيها، فهل قرار «الرئاسي» ومفوضيته سيقدم هذه المواضيع أم سيذهب فقط لتصفية الخصوم مدفوعًا بخلافات جهوية وأحقاد سياسية لإسقاط الأجسام السياسية والإدارية والتشريعية من أجل استمرار فوضى السلاح والنهب والانقسام المؤسساتي؟
إن الحل العملي والبعيد عن تصفية الحسابات وتفجير المواقف يتمثل في توحيد السلطة التنفيذية والمناصب السيادية، وفتح ورعاية حوار حقيقي بين أطراف الصراع حول القضايا الخلافية وهي السلاح ومنصب رئيس الدولة والحكم المحلي وإدارة دخل البلاد والمواطنة والخطاب الديني وغيرها من القضايا الخلافية ما يمهد لإحداث توافق واسع يُمكن من إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
إن إسقاط الأجسام السياسية والتشريعية والإدارية دون رؤية واضحة وحل حقيقي للقضايا الخلافية بمثابة هروب إلى الأمام بغرض الانتقام السياسي أو استمرار الواقع المزري وهذا ليس دفاعًا عن هذه الأجسام التي تآكلت الشرعية والمشروعية أو القبول باستمرارها، ولكن رفضًا لاستمرار سياسة تفجير المواقف و«البونطوات» وتصفية الحسابات السياسية والجهوية دون أدنى اعتبار للأمن القومي ووحدة البلاد وانتشالها من أنياب الاستعمار.
لكل ذلك، ففكرة الاستفتاء أو الاستعلام إذا سُخرت لمعالجة القضايا الخلافية الحقيقية التي تقود إلى بناء مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تكون مقبولة شرط أن تضطلع بها جهة محايدة مثل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتكون نتاج حوار وطني لتحديد القضايا والالتزام بما يقرره الشعب، أما إذا كانت الفكرة نابعة من خلاف جهوي وأحقاد ومماحكات سياسية «سياسة بونطوات» لتصفية الحسابات والهروب من إعادة توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف للانتخابات، يحدد طرف ما قضاياها دون توافق الجميع فحينها ستكون تفجيرًا لمواقف وتصفية ومماحكات سياسية ضيقة.
* عضو مجلس النواب
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات