Atwasat

دعوة إلى تعلم التفكير الفلسفي في ظل التحول الرقمي

سرتية العاتي الإثنين 04 نوفمبر 2024, 03:01 مساء
سرتية العاتي

في الستينيات من القرن المنصرم أطلق البروفيسور ماثيو ليبمان Matthew) Lipman) الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كولومبيا عام 1954 مشروع تعليم التفكير الفلسفي، والذي تعمل عليه أكثر من 120 دولة؛ حيث أسس معهدًا لتطوير الفلسفة للأطفال، وحصل برنامجه على جائزة الجمعية الفلسفية الأميركية لعام 2001م لإنجازه المتميز، والبرنامج معترف به من قبل اليونسكو وجمعية معلمي الفلسفة الأميركية، ولعل ذلك كان بسبب ملاحظة تراجع مهارات التّفكير النّقديّ والمنطقيّ لدى طلاب الجامعة، ورأى ضرورة أن تدرس هذه المهارات في مرحلة الطّفولة، قائلًا: «إنّ الكليّة ستكون فرصة متأخّرة لتحفيز الأفراد على التفكير بالطريقة السليمة» وذلك لمساعدتهم على تحسين مهاراتهم في التفكير في حينه، وليمتد تأثيره إلى المراحل الباقية مع التطور في كل منها.

وكذا الأمر بالنسبة للفيلسوف الإنجليزي جاريث ماثيوز؛ حيث أصيب بخيبة الأمل في إحدى الندوات الفلسفية لطلابه الذين لم يتمكنوا من إنتاج أفكار خاصة بهم حول الأسئلة الأساسية في الحياة، وكرروا ما قرأوه مرة واحدة فقط؛ لِذا أدرجت إيلين جالينسكي في كتاب «العقل في طور التكوين» التفكير النقدي في قائمة مهارات الحياة الأساسية السبع التي يحتاجها كل فرد.

وتعد الفلسفة أمرًا ضروريًّا عندما نعيد تعريف الواقع باستمرار، ولا سيما أننا نعيش في عصر باتت فيه المفاهيم متشابكة؛ بل تغير فيه الفهم الأساسي لما يعنيه أن تكون إنسانًا، وتخيل كيف سيبدو كل هذا عندما يصبح الاختراق البيولوجي للإنسان عن طريق الآلة حقيقةً واقعة، والفكرة هنا أن الإنسانية والذكاء الصناعي والتقنيات المتقدمة سيصبحان متشابكين في النهاية إلى حد أن «الإنسان والآلة» سيصبحان واحدًا؛ لذا ونحن نعيش في عصر المعلومات الفورية، يستوجب علينا أن يتعلم الطلاب التفكير الفلسفي من أجل فهم الفوارق الدقيقة، ويصبح لديهم القدرة على التفكير في الأسس الفلسفية الأكبر لوسائل الإعلام والترفيه التي يستهلكونها، ويتعلموا كيفية التفكير بطريقة مختلفة، إن ما يبدو صحيحًا ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا، وتنمية القدرة على تفحص المشكلات من زوايا متعددة، وإيجاد حلول مبتكرة تستعصي على الذكاء الصناعي.

في حقيقة الأمر إننا لا نتحدث عن الفلسفة كمنهج معرفي، ولا عن مفاهيم ومدارس فلسفية؛ بل نتحدث عن أسلوب تعليمي يستخدم أدوات التفكير العليا في الحوار، ويكرس مهارات التفلسف، تلك المهارات التي تخلق ظروفًا مختلفة لتكوين المفاهيم، واستنباط المعرفة عن طريق الحوار الخلاق الذي يبدأ من الفكرة بحد ذاتها عبر النسيج الذي تخلقه هذه الأفكار في عملية الحوار.

وفي هذا الشأن يقول الدكتور مصطفى النشار في تعريفه لتعليم التفكير الفلسفي، إنه لا يعني تدريس الفلسفة، وعصورها، وأسماء كبار الفلاسفة، وأعمالهم، ولا القضايا الفلسفية؛ بل يعني تعليم مهارات التفكير السديد (الفلسفي، والمنطقي، والناقد، والإبداعي.. وغيره) بمعنى ممارسة عملية وتنميتها لديهم من خلال إقحامهم في نقاشات حول المواقف والمشكلات التي يمرون بها في حياتهم العادية داخل الصف المدرسي.

والجدير بالذكر أن ماثيو ليبمان يؤكد على أن تعلم التفكير الفلسفي لا يهدف إلى تحويل الطلاب إلى فلاسفة؛ بل مساعدتهم ليكونوا أكثر تفكرًا، وأكثر تأملًا، وأكثر عقلانية، وأكثر مراعاة؛ لذا باتت الممارسة الفلسفية مع الأطفال والمراهقين حركة عالمية متعددة التخصصات تشتمل على ابتكارات في المناهج، وطرق التدريس، والنظرية التعليمية، وتعليم المعلمين في الفلسفة الأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية وفي الخطاب والنظرية الأدبية.

وقد خلقت مجالًا أكاديميًّا جديدًا لفلسفة الطفولة؛ حيث وجدت الدول التي عملت به أنه يهتم بالحثّ على التفكير بالحوار الذي يخلق أنموذجًا تعليميًّا يسمّى (مجتمع التساؤل).
تعد الفلسفة أداة المجتمع لتحرير العقول من الأوهام والخرافة؛ بل هي التفكير الناقد الذى لا يقبل الأمور على علتها، وما أحوجنا نحن في ليبيا إلى توطين مثل هذا النوع من التعليم من أجل الرقي بالعلم، والتعليم، ولا سيما ونحن نعيش مرحلة تأسيس دولة أضعفت فيها قيم المواطنة، والهوية الوطنية، وانتشرت الأخبار المضللة التي تسببت في خلق صراعات ونزاعات نتج عنها انسدادات متعددة.

إن بناء دولة القانون والمؤسسات يحتاج إلى نخب قيادية على مستوى رفيع من المعرفة بقواعد اللعبة السياسية، ولديهم من الحكمة والمهارات القيادية ما يمكنهم من جعل ليبيا في مصاف الدول المتقدمة، وقادرة على اتخاذ القرارات السليمة، الأمر الذي يصب في مصلحة الوطن والمواطن؛ لذا يعد تعليم مهارات التفكير الفلسفي سبيلًا لإعداد قادة يملكون البصيرة الثاقبة، والتفكير الناقد، ولهم القدرة على حل المشكلات بطرق عقلانية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»