Atwasat

نُريد حلاًّ

جمعة بوكليب الثلاثاء 29 أكتوبر 2024, 05:47 مساء
جمعة بوكليب

حتى وإن حاولت، أيها المواطن الليبي، قدر جهدك تفادي المرور به إلا أنك ستتذوق وتستطعم مرارة الفشل والإحباط غصباً عنك، لأن اعوجاج الظروف والوقت السيئ سوف يجبرانك على اللجوء إليه والمرور به واستخدامه، أي التوقف به، ولو لساعات قليلة، من أجل استكمال رحلتك الجوية إلى بلدك.. ليبيا.

ثمة قاعدة لغوية تقول «المعروف لا يُعرّف»، وبالتالي سواء اخترت ذكر الاسم أو تجاهلته، فالمطار المقصود غنيٌ عن التعريف، كونه، خلال سنوات الحظر الجوي المفروض على ليبيا، ترك بصماته وعلاماته واضحة في ذاكرة الليبيين الذين أجبرتهم الظروف على استخدامه.

بمجرد أن تطأه قدماك، تقشعر خلايا بدنك، ويتقلص حجم قلبك في صدرك وتزداد دقاته، ولا يتوقف لسانك عن الدعاء إلى الله، لأنك تعرف مسبقاً، من تجارب السنوات الماضية، أنك ستكون عرضة لأسوأ معاملة من الممكن أن يتوقعها مسافر في أي مطار في العالم. نظرات العيون التي تقابلك لدى الوصول تقول لك بوضوح إنك مسافر غير مرغوب فيه، وإنه، للسبب نفسه، مسموح لنا باستباحة متاعك وأموالك، ومعاملتك بازدراء لا يليق حتى بكلب سائب. وإن لم يعجبك ذلك، ابحث لك عن مطار آخر.

مطار قرطاج في تونس هو المطار الوحيد في العالم الذي يتوقع منك، كليبي، منذ لحظة وصولك أن «تفرح» غصباً عنك بكل موظف تونسي يشتغل في أركانه، من عامل النظافة إلى.. إلخ، ولا تتوقع مطلقاً أن يفرح بقدومك أحد من العاملين فيه. والمطار الوحيد في العالم الذي ينهب فيه متاعك، وتستباح فيه إنسانيتك، ولا تستطيع أن ترفع صوتك محتجاً، أو تجد مكتبا رسميا بإمكانك تقديم فيه شكوى رسمية ضد من سرقوك أو أهانوك، وهم «بالطبيعة» معروفون لك كمسافر ليبي، وللمسؤولين في المطار، ولجهات الأمن التونسية.

من حق العاملين في مطار قرطاج أن يعاملوننا بالطريقة التي يختارونها، ويقابلوننا بالنظرات التي يفضلون أن ينظروا بها إلينا، ذلك أن «كل شي بالسيف غير حبني يابنادم»، فالمطار مطارهم، والدولة دولتهم، والبلاد بلادهم، ومن لا يعجبه ذلك ليس أمامه من حلول سوى الذهاب إلى أقرب شاطئ بحر، والشرب من ملوحة مياهه. لكن ليس من حق الحكومتين الليبيتين، في طرابلس وبنغازي، السكوت عما يحدث، والرضا بإهانة مواطنيهم، وعدم التصدي لما ينالونه من عقاب لا يستحقونه من العاملين في المطار، ونحن الليبيين نريد حلاً، وعلى وجه السرعة.

منذ الحرب التي خاضها الإسلاميون تحت اسم «فجر ليبيا» في العام 2014، بغرض الاستحواذ على مطار طرابلس الدولي، وأدخلت كل البلاد، وليس طرابلس فقط، في متاهة مغلقة لم نخرج منها بعد، والليبيون والليبيات يعانون الأمرين في السفر. وفي كل مرة تتاح لي فرصة زيارة طرابلس، يبرز أمامي سؤال: متى يفرج ربي علينا، ونسافروا زي الناس مباشرة إلى جهاتنا المقصودة، من دون حاجة إلى المرور بمطارات لا تحبنا وتنهبنا؟

في طريق عودتي مؤخراً إلى لندن، قادما من طرابلس، لم ألجأ إلى إغلاق حقيبة سفري بقفل حديدي، كما كنت أفعل في السابق، لأنه تبين لي أن لا قفل في العالم يستطيع منع لصوص الأمتعة في مطار قرطاج من العبث بمحتويات أي حقيبة، وسرقة محتوياتها. وجرت العادة أن يقوموا بذلك ليس خلال الرحلات القادمة إلى مطار قرطاج، بل المغادرة منه، والسبب معروف. بالتالي، من الأفضل والأريح لك ألا تعقلها، وتوكل.

مطار طرابلس الدولي ما زال مغلقاً، لأن شركات الطيران الدولية ترفض القيام برحلات إلى مطارات ليبيا، كونها غير آمنة، ولا أحد يستطيع إلقاء اللوم عليها، ومسببو المشكلة أو الأزمة، سمها ما شئت، ما زالوا في غوايتهم يعمهون. والحكومتان الليبيتان، شرقا وغربا، لا تستطيعان فعل شيء، وكأن الأمر لا يعنيهما من قريب أو بعيد، وعلى المواطن المسكين تحمل نتائج ذلك، ودفع الأثمان.

والذين يتابعون الأخبار في وسائل الإعلام المحلية أو التونسية على علم وإدراك بكثرة اللقاءات بين المسؤولين الليبيين ونظرائهم التونسيين، خاصة في مجال الأمن. لكن كثرة اللقاءات بينهم «زي قِلتها»، والمسؤولون في البلدين يعرفون تماماً ما الذي يحدث في ردهات مطار قرطاج للمسافرين الليبيين من كوارث وسرقات وإهانات، لكنهم لا يفعلون شيئاً لإيقافه، أو حتى التقليل منه، وكأنهم عاجزون عن فعل شيء، أو أن الأمر لا يعنيهم.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»