Atwasat

حتى الكلاب غُرِّر بها

سالم العوكلي الأربعاء 09 أكتوبر 2024, 12:36 مساء
سالم العوكلي

كم توقفت عند مشاهد الكلاب المدربة في كوارث الزلازل أو الانسلاخات الطينية وهي تركض بحماس، تتبع حاسة شمها وتستخدم غرائزها لإنقاذ حياة البشر العالقين، وندرك أن «الإنسانية» كمصطلح يطلق على كل عمل خيّر يتعلق بحياة البشر أو حقوقهم ليس مقتصراً على الإنسان، وفي حالة الكلاب خصوصاً كنا قد تربينا على فكرة ارتباط هذه الكائنات بالوفاء والإخلاص لصاحبها الإنسان، وقرأنا قصص أطفال عدة أبطالها من الكلاب الوفية.

يخطر ببالي ذلك وأنا أرى الآن مشاهد الكلاب المسعورة إثر التدريب وتشويه غرائزها في الحرب على غزة، تقود أو تتبع الجنود الصهاينة وتساعدهم في أعمال الإبادة التي يرتكبونها في كل الأراضي المحتلة، عبر مشاهد مؤسفة تسيء لهذه الكائنات الأليفة بعدما فقدنا الأمل في الإنسان حين يتوحش وحين تتوفر له ترسانة عسكرية كافية لقتل المئات والآلاف في ضربة واحدة.

ومن المشاهد المرعبة التي انتشرت في مواقع التواصل هجوم إحدى هذه الكلبات المدربة على العجوز الفلسطينية، دولت الطناني، من مخيم جباليا، حيث صورت الكاميرا المثبتة علىى ظهر الكلبة هذا المشهد الذي تسبب في عضات ونزيف وكسور للسيدة المسنة، وهو مشهد يختصر مدى الشر الذي وصلت إليه هذه المنظومة الشرسة. ويجري هذا التشويه والحض على الكراهية عبر تدريب طويل ومضنٍ من خلال ما يسمى وحدة عوكيتس لتدريب الكلاب التي أنشئت العام 1988، ما جعل جريدة نيويورك تايمز تقول أن استخدام هذه الكلاب لترهيب الناس محض انتقام وغير لائق، وأن استخدامها في العمليات العسكرية محل جدل لعدم وجود وضع قانوني لها. وذكرت وسائل إعلام تركية أن حسام أبوصفية، رئيس قسم الأطفال في مستشفى كمال عدوان في غزة، اتهم في مؤتمر صحفي الجيش الإسرائيلي بإطلاق كلاب للهجوم على عدد من المرضى، بينهم رجل مقعد، ودعا إلى إجراء تحقيق دولي.

محمد بهار شاب من حي الشجاعية بقطاع غزة يعاني من متلازمة داون والتوحد، أطلقت عليه في منزله أربعة كلاب يقودها جنود إسرائليون فنهشت صدره ويده وقضى غارقاً في دمائه. ولأن محمد لم يعرف في حياته سوى الكلاب الأليفة الوفية التي كان يلهو معها، كان آخر ما قاله للكلب وهو ينهش إحدى يديه بينما يتحسس رأسه بيده الأخرى: «بس يا حبيبي بس». ولولا هذه الدولة المتوحشة لكان اللقاء بين محمد وهذه الكلاب المغرر بها مستحيلاً. ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد فاعتُقل أفراد الأسرة وحين عادوا إلى بيتهم وجدوه مدمراً بينما جثة محمد المنهوشة متحللة تحت أكوام من الذباب، وقال المتحدث باسم الجيش دانيال هاغاري في مؤتمر صحفي بشهر ديسمبر 2023: «الكلاب تقوم بعمل رائع». وغسيل أدمغة الكلاب كي تتحول إلى وحوش تنهش المرضى والمقعدين لا يختلف عن غسيل أدمغة الجنود المتوحشين الذين يقرأون كل صباح عبارة «الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت» في مدارسهم.

للكلاب غرائز عديدة استثمر فيها الإنسان طويلاً من أجل أعمال الخير ومن أجل أن تتشكل علاقات صداقة بينها وبين البشر، غير أن هذه الكلاب المغرر بها تجد نفسها دون أن تعلم ضمن حملة إبادة شريرة للأطفال والنساء وكل ما يدب فوق الأرض، وكونها كائنات لا تقودها سوى الغرائز لا تدرك أن من دربها ومن يقودها هو الشر نفسه الذي يقتحم بيوت ومدارس ومستشفيات الفلسطينيين على أرضهم ويترك الجثث متناثرة خلفه، ما يجعلني أتساءل: ألا يحق للمنظمات والجمعيات المختصة بحقوق الحيوانات أن تحتج على هذا التوظيف الشرير للكلاب التي ارتبطت في مخيالنا بكل ما هو جميل وإنساني وخيّر. تتحول دون علمها وفي ظل نظام فاشٍ إلى أدوات تساعد على القتل والإبادة، وكون هذا التدريب يحيلها إلى وحوش بدل أن تكون صديقة للإنسان يجعل من أمر تدخل تلك المنظمات أو الجمعيات مُلحاً.
فكرة القتل عموماً متحدرة من غرائز حيوانية قديمة جداً، ومنذ أن كان الإنسان الأول المتوحش ما زال في طور التوصيف (الحيواني)، غير أن المأمول من فكرة الترقي الإنساني والتحضر كان التخلص من الكثير من الغرائز الإنسانية التي حملتها جينات الإنسان الأول، ومن المفارق أو المؤسف أن تصبح في هذا الزمن أعظم التقنيات التي اكتشفها العقل البشري المتطور في خدمة ما علق من غرائز وحشية قديمة بالإنسان، خاصةً وأن الإنسان بعكس الحيوانات الأخرى لم يزود بموانع غريزية تجعله يقنن القتل كما الحيوانات التي لا تقتل إلا في الضرورة ودون أن تخل بالتوازن البيئي عبر حروب إبادة، والبديل عند الإنسان هو فكرة الوعي وقابليته للترقي والتحضر التي من المرجح نظرياً أن تمنعه عن القتل وعن صناعة الأسلحة الفتاكة التي مهمتها فقط قتل أكبر عدد من البشر؛ بمن فيهم عشرات الألوف من الأطفال والنساء، كما يحدث في غزة وفي لبنان حالياً. زودت الطبيعة المخلوقات غير العاقلة بوسائل كبح غريزية، تروض من سلوكها العدواني، وتجعله وسيلة فعالة للانتخاب الطبيعي والحفاظ على النوع، أما الإنسان، وهنا المفارقة، لم يزود بهذه الكوابح الغريزية لروح العدوانية في تكوينه البيولوجي، لأسباب يحددها كونراد لورينز من خلال كتابه «العدوانية» في طبيعة الإنسان ككائن قادر على التعبير وقابل للترقي ولتطوير آلياته الكابحة عبر الثقافة والمسؤولية الأخلاقية، يكتب كونراد «أما في تطور البشر، فلم تكن آليات الكبح ضرورية أصلاً لمنع قتل الإنسان لأخيه الإنسان، لأن الإنسان غير قادر على إحداث القتل بسرعة، كما أن الضحية المحتملة لديها فسحة لاستعطاف المعتدي بالتوسل والاسترضاء والخضوع. ولهذا السبب لم ينشأ ضغط انتقائي (بلغة نظرية التطور) في فجر البشرية، لانتخاب آليات كابحة تمنع قتل الإنسان للإنسان»*.
يطرح كونراد؛ عالم الفسيولوجيا، الحاصل على جائزة نوبل العام 1973، بحثه الاستقرائي عن جذور العدوانية، باعتبارها غريزة القتال المتأصلة في الحيوان والإنسان، والموجهة ضد أفراد النوع الواحد، معتبرا العدوانية المساوية لغريزة الموت تساعد مثل غيرها من الغرائز، وفي الظروف الطبيعية، على تأمين بقاء الفرد والنوع الحيواني، أما «لدى الإنسان الذي نجح بقدراته في إحداث تغييرات سريعة جداً في نمط حياته، فكثيراً ما يكون للدافع العدواني نتائج مدمرة».
وهكذا مع افتقار الإنسان لكوابح العدوانية الغريزية، ومع فقدانه للكوابح الأخلاقية التي تنتجها آليات الترقي، يجد نفسه كوحش تم التلاعب به جينياً، ففقد غرائزه الكابحة وتحول إلى أداة للفتك والافتراس دون وازع من أخلاق أو ضمير، وكل ما يستطيع الإنسان فعله لتفريغ هذه الشحنة من العنف هو محاولة تغطيتها بذرائع أقبح من الذنب، ومنظومة ما تسمى إسرائيل تستخدم خلطة قاتلة من كل هذا: الغرائز الحيوانية العتيقة، والخرافات التلمودية، وأحدث الأسلحة الفتاكة وما وفره الذكاء الصناعي من آليات تساعد على القتل والاغتيال، لتتحول إلى وحش مسعور يتسكع في الشرق الأوسط دون أي كوابح طبيعية أو مكتسبة تمنعه من قتل آلاف الأطفال وتحويلهم إلى أشلاء بذريعة الدفاع عن كيان هو مغتصب للأرض من الأساس، ومع تأييد ودعم من القوى الكبرى في العالم التي تسيطر على منظمة الأمم المتحدة عبر سيطرتها على مجلس الأمن الحري به الحفاظ على الأمن في العالم، لهذه الدولة المارقة التي اعترف بها المجتمع الدولي رغم أنها لم تُرسِّم حدودها حتى الآن، وبالعودة إلى الكلاب فإنه حتى الكلاب قادرة على ترسيم حدود سلطتها (دولتها) بحيث لا تعتدي.

مثل هذه الحروب الفتاكة التي تديرها دول كبرى في مواجهة شعوب صغيرة محاصرة ومضطهدة ستشوه كل شيء، وتجعل الإنسان يفقد الثقة في كل ما استؤنس له يوماً. الطائرات المسيرة التي بدأت كألعاب للأطفال ثم أداة للبحث عن التائهين أو المحتاجين للمساعدة أو لتصوير المشاهد الخلابة من علٍ، تحولت بفعل هذا العقل المشوه لكل جميل أو مفيد، والمستثمر في كل الغرائز إلى أدوات فتك لا تبقي ولا تذر. فتكت الطائرات المسيرة بعائلات كاملة في بيوتها أو بمتنزهين في عربات على الطريق، ووصل حجم الإنفاق العالمي عليها إلى 200 مليار دولار سنوياً، وتهيمن كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على صناعتها، وتعتبر الأخيرة المُصدِّر الرئيس لها عالمياً. وهي أيضا من التقنيات التي تلغي آليات الكبح التي أشار إليها كونراد فيما يخص الإنسان حيث عبر القصف المدمر عن بعد يحدث القتل بسرعة ولأكثر عدد من الناس ودون أن يرى مستخدم هذه التقنيات ضحاياه أو أشلاء الأطفال الذين يقتلهم وهو في مكتب مكيف خلف شاشة.

*العدوانية (الجذور البيولوجية للسلوك وتأسيس الإثولوجيا) تأليف: كونراد لورينز، ترجمة: د. محمد محمد المفتي- المكتب الوطني للبحث والتطوير - ليبيا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»