يسمونه «الحِمّاس» ولم نكن نملك واحداً. جارتنا اليفرنية، خالتي عزيزة رحمها الله، كان لديها حِمّاس، مسودّ اللون. قبل أن أرى الحِمّاس، كنت أسمع المرحومة أمي تصف الوسخ بالحِمّاس. وعلى سبيل المثال، إذا رجعت إلى الحوش بقميصي متسخاً تسألني قائلة: «العفو وين كنت؟ خيرها سُوريتك زي الحِمّاس؟» لذلك، ارتبط الاسم عندي، قبل أن أعرف الحِمّاس، بالسخام وبالسواد.
من جهة أخرى، كنت أرى الحِمّاس في دكان حداد، يقع في الباب الجديد. لكني لم أكن أعرف اسمه أو فيما يستخدم. كان الحداد يعلق مجموعة على باب الدكان. لكن تلك «الحماميس» المعلقة على ناصية الباب، كانت جديدة وبيضاء، ولم تتعرض لسواد دخان النيران بعد.
في دكان يهودي، في الحارة الصغيرة، رأيت الحِمّاس أسود اللون، يستخدم في تحميس الفول والحمص. تلك اللخبطة، تلاشت في اللحظة التي سمعت ورأيت فيها جارتنا تنطق باسمه أمامي وتستخدمه. فعرفت أن الحِمّاس بلونين: جديد أبيض، وقديم أسود، ومهمته التحميس. اكتشاف بلا قيمة لأحد غيري، وجاء متأخراً.
الحِمّاس: أكبر حجماً من قلاّية الكاكاوية واللوز. (القلاّية حِمّاس صغير.) يشبه الغربال، لكنّه بلا ثقوب. مصنوع من الألومنيوم. أقرب شبهاً إلى «كِرْوَانَه».
ذات يوم، حين عدت إلى الحوش متعباً من اللعب في الوسعاية، رأيت جاراتنا وقد افترشن حصيراً كعادتهن في وسطه، وجلسن متحلقات، حول كانون نار، وفوقه إناء معدني، مليء بحبوب قمح. كانت خالتي عزيزة اليفرنية تترأس الجلسة، وتحرك القمح في الحِمّاس. وكانت حبّات القمح تصدر صوتاً لافتاً، وكأنها تتوجع من شدة الألم.
تلك كانت المرة الأولى والأخيرة، التي رأيت فيها الحِمّاس في حُوشنا: حِمّاس في زنقة الحُمّاص! كانت أيضاً المرّة الأولى التي تذوقت فيها طعم قليّة القمح، ولم أستسغه.
لقاء نسوة الحوش، في وسط الحوش، كان أمراً عادياً، في كل فصول العام تقريباً، باستثناء الأيام المطيرة، وأوقات الحروب بينهن، وهي كثيرة.
في الحوش سبع غرف. كل واحدة منهن تقيم مع زوجها وأطفالها في غرفة مستأجرة. الغرف تختلف في الحجم. وكل غرفة تحتوي على سِدّة خشبية، وتحتها خزانة.
في فصول الصيف، بعد الانتهاء من ترتيب غرفهن، قرابة الساعة الحادية عشرة صباحاً، يلتقين بغرض الراحة وترطيب القلوب والألسنة بالقيل والقال. تحضر كل واحدة منهن ما تيسر مما توفر لديها من خضروات.
وتتطوع إحداهن لإعداد شرمولة- طماطم وبصل وفلفل أخضر- في معجنة ألومنيوم. وتقوم بفت الخبز البايت وتخلطه بالخضروات بعد أن تصب عليه قطرات من زيت وقليل من ماء. ولدى الانتهاء من الإعداد، تنادي على الأخريات، فيأتين مسرعات. وسرعان ما يختفي محتوى المعجنة. وبعدها يبدأ إعداد كؤوس الشاهي.
في الشتاءات، تختفي معجنة الشرمولة، ومحلّها تحل معجنة زميتة. يزدردنها مع رؤوس البصل. ويشاركهن الحاضرون من الأطفال في الحوش، ممن لم يبلغوا سن الذهاب إلى المدرسة. أحياناً، يعددن وجبة حساء حار بالثوم، والشحمة الغاوية، لرفع المعنويات، وتغيير المزاج، وكذلك تسريح ما أنغلق بفعل البرد من مواسير الخشوم.
حين غادرت طرابلس إلى بريطانيا، اكتشفت بعد فترة زمنية قصيرة، أن تقليد لقاء نسوة الجيران في المدينة القديمة، عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، حول معجنة شرلمومة بفتات الخبز البايت، أو معجنة زميتة تزدرد مرفوقة بقضمات من فحول البصل، أو حساء جارٍ وحار، كان من ضمن تقاليد النسوة اللندنيات في المناطق الفقيرة قديماً.
يسمونه (ذا إيليفنز-The Elevens) ويعنون بذلك لقاء الساعة الحادية عشرة صباحاً. كانت الجارات القريبات يلتقين كل يوم في نفس الموعد في أحد البيوت، بغرض الراحة وترطيب القلوب بالنميمة، مرفوقاً بشرب أكواب الشاي والكعك.
لا أعرف ما الذي طرأ للحِمّاس؟ ولا أعرف إن كان الناس في طرابلس وضواحيها ما زالوا يفضلون أكل قليّة القمح. وما أعرفه أن الزمن لن يعود إلى الوراء، إلا في ذاكرتي، ووفق تقلبات مزاجها.
ما زلت أذكر حوشنا في زنقة الحُمّاص، بسقفه المفتوح على كل فصول العام. وما زلت أذكر لقاءات أمي وجدتي لأبي مع نسوة الجيران، وهن يفترشن حصيراً في وسط الحوش، ويكسرن اللوز، أو يهرسن أوراق الحنة اليابسة في المهاريس، أو يضمخن شعورهن بالعنبر والقرنفل في المساءات الصيفية. أو يقمن بتشريح حبات الطماطم ورشها بالملح ونشرها لتجف في حرارة الشمس بغرض تحويلها إلى معجون طماطم. وكم كنت أفتقد جلساتهن لدى نشوب حروب بينهن. كانت الحرب الواحدة تستمر أياماً، تخيم خلالها على الحوش سحبُ كآبة معتمة، وتصبح الكلمة بحسابها.
ما زلت أتذكر ذلك الصبي الذي كُنته، وهو يتذوق قليّة القمح الساخنة، للمرة الأولى، ولا يستسيغ طعمها. لكنه يغزها بأسنانه، ويهرب جرياً إلى الوسعاية، ويظل متضايقاً من فضلات القلية التي تبقت عالقة بين فجوات أسنانه، ويؤكد لنفسه أنه لن يعود إلى أكلها مجدداً. الغريب، أنه أوفى بذلك الوعد لنفسه، ولم يتذوق القلية ثانية إلى يوم الناس هذا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات