Atwasat

الأمية السياسية والربيع العربي بين السبب والنتيجة

فرج أبوخروبة الإثنين 23 سبتمبر 2024, 12:51 مساء
فرج أبوخروبة

تناول المفكرون والفقهاء ودهاقنة السياسة وفلاسفة العصور تعريف الأمية السياسية كمفهوم وماهية، تلخصت في الجهل بأبجديات السياسة!! وعادة ما يحدد الأمية السياسية كل من بلغ سن البلوغ، وتتأثر مقدرته أو تنعدم في الاستفادة من أبجديات المعرفة والعلوم، والتمتع بنعمهما، وينقل أفكاره شفاهية، ولا يمكنه كتابتها، لتعميق الفهم أو التفكير المنطقي في الحياة السياسية لعموم الفائدة، فالأمية السياسية تعني الجهل الكامل بالشأن العام لإدارة الدولة، والقوانين التي تنظم أحوال المجتمعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصناعة القرار، وأدوات إدارة الصراع السياسي.

وتبدو الأمية السياسية أشد خطورة في المجتمعات التي تعاني الفقر المدقع، في ظل أجواء الاستبداد والتهميش والقمع الإعلامي، حيث يكون المواطن في حالة اللاوعي بما يحدث في الشأن العام، أو مغيبا عن دوائر صناعة القرار السياسي، وبعيدًا عن المشاركة السياسية الحقيقية بكل مستوياتها، ويأتي هنا دور إعلام النظم المستبدة لترسيخ الأمية السياسية، حرصًا منها على الضمانة الحقيقية لبقاء الاستبداد، وتحصين الطغاة من وعي الشعوب، ومن ثم شل قدرتها على انتزاع حقوقها، أو حماية مصالحها، أو النضال من أجل المشاركة في صنع القرار.

وللأمية السياسية خطورتها على المجتمع المدني، وشعوب العالم الثالث كافة، حيث إنها تحصن نفسها للوقاية منها، وأخذ الحيطة والحذر بالتوعية السياسية والثقافة كمواجهة وتحدٍ لعدم استشرائها وتغلغلها في المجتمعات، خاصة المغلقة. وتتميز منطقتنا بأحداث ومتغيرات سياسية، لامست واقع حياتنا ومصيرنا الحاضر والمستقبل، مما أثر على ثقافة المواطن، وتعدد مشاربه السياسية المتعددة في الكم، والمتنوعة في الكيف، جعلت منه، أي المواطن، شارد الذهن، فاقدًا للبوصلة، حائر الفكر، حيث الانقياد أحيانا إلى مواقف سياسية «ساذجة» أو «متطرفة»، مع عدم المساواة بين الخيارين، فالأولى لها من البساطة ما يبررها على الرغم من تأثيراتها الكبيرة على النفس من حيث الإحباط، وزعزعة الثقة، وإضعاف الوازع الوطني، بينما الثانية تقود إلى الهلاك الشامل بكل مقاييس القوى الكامنة في نفوس المتشددين، وضراوتها المدمرة شتى مناحي الحياة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية.

تولد من رحم الأمية السياسية عمليات التطرف، الذي يؤدي إلى استخدام القوى المفرطة، كمحصلة ناتجة عن هذه الولادة القيصرية التى يغذيها الحقد، وفتح أبواب وهمية لعدو مزعوم كقربة مشروخة ينفخها متربص للكيل والتنكيل، معلنا عن خطر لا وجود له من الأساس، مستخدمًا أساليب الترهيب، نافخًا في بوق الجبن والضعف، وعدم قدرة مواجهتهما كمن ينفخ في بوق تواطؤ الحكام والأنظمة المستترة وراء عباءة العدو، لتتولى إقناع البسطاء والسذج بضرورة مجابهة العدو المزعوم، الذي تم تصويره في صورة «بعبع»، ولا سبيل للخلاص منه إلا بحرب شاملة تتكفل بالقضاء عليه،.

وبهذا التأثير السحري يقنعون الناس بالمقاومة دون النظر إلى تداعيات ومغبة العقاب على وطن ومواطن بزعزعة الاستقرار، وضرب نسيجه الاجتماعي وتفتيته، بعد القضاء على اقتصاده، وتقديم كل ما في الغباء والعمى السياسي من جهل متأصل كموروث عقائدي بالٍ، خدمةً للعدو المتربص بالأمة ومقدراتها، التي تشكك دائمًا في عدم مواجهته، ولا سبيل لذلك إلا بالرد، الذي عادة ما يكون التفريط في وطن وأمة بالعمالة والاستسلام، والخيانة، والارتماء في أحضان الغرب، في ظل الارتهان الذي وصل إلى أدنى مستويات الانحطاط، والتخلي عن القيم كنهج ومبرر لتحقيق الهدف.

ولهذه الأمية عديد الصور والمتغيرات التي تتعدد فيها الخلفيات، السياسية والثقافية والعلميّة، ويبقى الرابط بينها كعامل مشترك هو استخدام العنف للردع والقمع والتحريض عليه، واحتكار الحقيقة، وعدم قبول الرأي والرأي الآخر. لهذا يتبين بوضوح عقمهم السياسي وانسداده، لجهلهم بقواعد وأسس وبديهيات «فن الممكن».

ونعني بذلك أن هذه الظواهر التاريخية، وما يدعمها من حقائق علمية، تشي إلى الذهاب نحو التطور، متجاوزًا التعريف الشائع للسياسة باعتبارها «فن الممكن»، وتقديم التعريف الأكثر عمقًا في المفهوم الأكاديمي على أنها «فقه تطوير الأمم»، وهذا يتطلب تعلم وإدراك مفهوم الثقافة السياسة، الذي تفتقر له الأغلبية العظمى من أفراد المجتمع، الفاقدة للوعي والتثقيف السياسي، لعدم امتلاكها وسائل الإعلام الشفافة وغير الخاضعة لرقابة الدولة، حيث إن التأثير بالرأي العام لا يزال فعالا لمصلحة العصبة السياسية المحتكرة للسلطة، أو التي تخطط للسيطرة عليها مستقبلا.

فإن امتلك المجتمع سلطة إعلامية، هدفها إيصال الحقيقة بعيدًا عن الإعلام الموجه لمصلحة فئة أو نظام سياسي يملك قوة الإرادة السياسية، حينها يكون للمجتمع حق التعبير، وتشكيل الرأي العام ولو كره الكارهون، ويكون أكثر وعيا سياسيا، مما يمكنه من نيل حقوقه المشروعة، للإسهام في صنع القرار من خلال الضغط، وتحريك عجلة التغيير بوعي وإدراك للسياسة وألاعيبها، التي تفقد السلطة أدواتها المستبدة، من التبرير وتمرير المواقف والقرارات وممارسة التدليس والتضييق، كوسائل تضليلية لتعميق الأمية السياسية.

واستمرار تبعاتها السلبية، التي يرجع إليها الكثير من المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في قراءة الواقع الراهن الذي يعيشه المجتمع البعيد عن فهم الحاضر والمستقبل الذي تديره السلطة، سواء كان هذا الأمر مجرد تغيير سياسي، أو تغييرا نحو ديمقراطية سياسية، لتحقيق تقدم للمجتمع المدني، أو تصرفات وأعمالا تمارسها السلطة التشريعية والتنفيذية زيادة في المزاج العام للفئوية الحاكمة، التي ترى إدارة الدولة حكرا عليها.

ولها حق اتخاذ القرارات التي تقوم على مبدأ عدم تدخل مكونات المجتمع سياسيا، وجعلها في دائرة التجهيل المتعلق بحقوقها كأفراد أو مواطنين، وحقوق عموم المجتمع في مطالبه المشروعة بممارسة الحقوق والواجبات أمام سلطة لا تعترف إلا بكونه مواطنا تحت وطأة الحكم والاستبداد الممنهج والمغيب لحقه في التفكير، وبالتالي لا يمكنه فهم الواقع وبديهيات السياسة الضامنة معرفته بما هو قائم كمواطن له حق الشراكة في الوطن، وله دور مهم في ممارسة الحياة السياسية، في ظل دستور يكفل العلاقة بينه وبين الحاكم، وعدم وعيه بما يمكن أن يؤدي إلى فهمه الحقائق التاريخية والاجتماعية وتنميتها.

لذلك هو في الحقيقة غير موجود أصلا في القانون إلا بقدر ما يسمعه من توجيهات، وقرارات، وقوانين، وقواعد أصحاب السلطة الحاكمة تحت فرضية الأمر الواقع، حيث خطاباتهم النارية الصادرة عن النفعيين، الناعقين كذبًا وتزويرا للحقيقة، وتسويقهم بضاعتهم المزجاة تحت طائلة الفقر، والحاجة الماسة إلى الحرية، والكرامة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، في ظل غياب العناية بالصحة والتعليم، واستشراء الفساد الإداري والمالي، وسطوة العنف الذي ساد العالم الثالث، المسمى تيمنًا بالدول النامية!!

وفي حقيقة أمرهم يصنفونه ويتعاملون معه على أنه العالم المتخلف، حيث لا انتماء ولا ولاء، ناهيك عن ضعف الروح الوطنية التي قتلت في المهد، والانقياد لفوضي ورواج الشائعات دون وعي وقدرة، وضعف لروح الوطنية، التي قد تؤدي الى انقياد البعض للشائعات بلا تفكير أو مقدرة علي التحليل والنقد‏، والانسياق وراء دعوات التطرف السياسي، والغوص في بحر فكره العقيم.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»