Atwasat

جدارية ليبيا

منصور بوشناف الخميس 29 أغسطس 2024, 07:48 مساء
منصور بوشناف

وليس الماضي إلا زمنًا منتهيًا، وليس المستقبل إلا زمنًا لم يأتِ ولم يحدث، وليس الحاضر إلا زمنًا بين الزمنين، يذهب بعضه باتجاه عدم المستقبل وبعضه باتجاه عدم الماضي، ولسنا إلا وجودًا يسيل بين الزمنين.

على هذا النحو يفكك التفكيكيون الكينونة والزمن، ليتناثر كل شيء في الفراغ والعدم، فلا ماض ولا مستقبل ولا حاضر، لا شيء عدا اللاشيء، لا تاريخ ولا مرجعية ولا مستقبل وأحلام، والحاضر ليس إلا إدراكًا لعدمية ثالوث الزمن والوجود.

لم يكن قرننا المنقضي وربع قرننا الذي نعيش إلا تفكيكًا وتهشيمًا وصهرًا لكل منجز الماضي وأحلام وأوهام الحاضر والمستقبل، ولم أرَ إلا «ظل حوذي ينظف ظل عربة بظل فرشاة» كما يقول ديستوفيسكي، وأنا أعبر سيول وادي «وشتاتة» بترهونة في هذا اليوم الثامن والعشرين من شهر أغسطس عام 2024م باتجاه «ورفلة» تاركًا خلفي ظلال عاصمة تتفكك وتتهشم تحت مطارق وفؤوس القبائل والعصابات المسلحة لأصل إلى ظلال «ورفلة» حيث لا أرى إلا منحوتة النادبات الخالدة منذ القرن الرابع للميلاد، وظلال بشر يطوفون حول المنحوتة ويقيمون مهرجانًا للموت والعبث، لا شيء يتجلى عدا الظلال والأوهام من عذابات الانهيار والتفكك.

كانت ظلال الأحلام والأوهام تنهار في العاصمة بظلال فؤوس المجالس والسياسيين ومهربي البشر والنفط وكانت السيول تغمر ترهونة وورفلة وكان الواقع ينقله التلفزيون على الهواء مباشرة.

يرسم التلفزيون صورة البنك المركزي والمسلحين وشجار السياسيين والمهربين والمهرجين أيضًا، فتنقل الظلال والواقع تلك الصورة على الهواء مباشرة، «كلاكيت» للمرة الألف تصيح السيدة خوري، «شووت» يصيح ظل ثائر جاء من وسط البلاد يسعى، «ستووب» يصيح ظل ثائر يستظل بظل «تانيت» ويقفل الحدود.

«رن كاميرا» وينطلق ظل الفتى الحديدي وبرتبه ونياشينه لمناجم الذهب، ويقفل البرلمان النفط وحقوله، لا زيت ولا حقول للزيت بعد اليوم تقول بيانات جمعيات حقوق الإنسان والفدرلة.

ظلال قرن الهجرة الأول تخرج من مقابر التاريخ رافعة السيف على صفحات المصاحف، فلا ظل اليوم إلا ظلنا ولا حياة إلا تحت ظلال السيوف، والسيوف من خشب ونيران الفتنة من كل صوب.

تفكيك، تفكيك ولا أحد إلا «جاك دريدا» ومن منبته الجزائري يدرك ويرى بوضوح ظلالنا، ألسنا بلاد «ما بعد الحداثة» بامتياز؟

كانت «الصحوة» ومن تورابورا ومن لندن ومن باريس ومن متحف نيويورك للفن الحديث، قد أطلقت لنا ظلالنا من قماقم التاريخ، سلفًا وحداثة ويمينًا ويسارًا، شعرًا وبقافية وموزون، قصصًا عن الزهد والخمر، أيديولوجيا لموت الأيديولوجيا، روايات عن «اليزبيان» وأوضاع النكاح، وفتاوى عن أحكامه، حداثة محجبة، وسياسيون لا يتوقفون عن تحليل ما يجري.

«رن كاميرا» و«شووت» والبنك المركزي وسيول وشتاتة ونادبات ورفلة وذهب الجنوب وتانيت وثائر من وسط البلاد يسعى، ظلال الماضي وظلال الحاضر وظلال المستقبل، العدم والعبث، وبلاد اسمها بلادي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»