Atwasat

الوعي الذاتي.. الحافز المعطل

آمنة القلفاط الأحد 18 أغسطس 2024, 02:22 مساء
آمنة القلفاط

الوعي بالذات، هذا المحرك الإنساني الداخلي البناء، ذلك الإدراك الذي يجعل آلية تفكيرنا تقبل النقد الذاتي وترحب بالآراء كافة التي تُغني الوعي وتُوسع المدارك وتجعل مستقبلات المعلومة لدينا قادرة على تبني الأفضل من النواحي كافة. الوعي بالذات، تلك اليقظة الحرة التي تجعلنا نتصالح مع ذواتنا ونُطور أنفسنا باستمرار لنصل إلى أعلى درجة من التصالح مع النفس والرضى بالذات.

الوعي الذاتي هو الأداة التي تجعلنا باستمرار قادرين على التحكم بما يصدر عنا من أحكام وما نتخذه من آراء، ولنا القدرة على تطوير أنفسنا لنكون على الدوام على استعداد للنهوض بمجتمعنا ولنا العين الثاقبة التي تُميز الصواب وتقتدي به، قادرين على تبني أفضل السياسات ولا بديل لنا سوى التوافق حول أفضل الحلول للمضي قدمًا ببلادنا.

عندما تعم العشوائية في صناعة القرار السياسي وينفصل الساسة إلى فرق ومذاهب لا يجمعها رابط ولا وازع ولا اتفاق حول مصلحة عامة، عندما ينفصل الساسة عن شعوبهم ولا نرى سياسات متوافقة مع تطلعات الناس، عندما يغيب صناع القرار في بروجهم العاجية ويُتحكم في موارد البلاد وفق هواهم، هنا نرى عجزًا في التفكير المنطقي وفقدانًا لحالة الوعي بما يلزم اتخاذه من تدابير، نرى عشوائية وفوضى يعيشها السياسي والمواطن وتنعكس على تأخر البلاد وتردي أوضاعها.

الوعي بالذات ليس وصفة بمكونات محددة، إنه مجموعة من المكونات والمركبات التاريخية والاجتماعية والبيئية والثقافية، مكونات اجتمعت معًا لتتواءم مع الإدراك الفطري الفردي والسليم المستقبل لكل هذه المركبات.

الوعي بالذات مرادف لمفهوم الحرية، فالذات المفكرة الواعية القابلة للنقد والتحليل والساعية نحو تحقيق غاية الرضى عن النفس، هي الذات الحرة.

الذات الحرة تأبى السقوط في انتماءات جاهزة مُخطط لها سلفًا، إنها تُحلل وتستقرئ وتتتبع النتائج، تُحسن الأخذ بالأسباب وتتنبأ بالنتائج وتستشرف مستقبل هذه الجهود وصولًا لأفضل نتائج منطقية.

في قوله تعالى في سورة الإسراء: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13)» هنا كل إنسان مكلف بالاجتهاد ومطالب بالوعي اللازم لأنه مسؤول كفرد عن إرادته ومواقفه ومحاسب عليها. مسؤول عن تقوية وتنقية وعيه بذاته لتكون قادرة على التصرف وفق المعرفة المكتسبة والخبرات المتراكمة والإرادة الحرة.

العوامل المساهمة في تعزيز الوعي مشتركة جامعة تجعل ناتج الوعي الذاتي الفردي يتشابه في أهدافه، إنها البيئة والثقافة والخبرة والهوية المشتركة. لكن الاختلاف في التعاطي مع هذه العوامل يكمن وفق درجة الوعي بها، وإدراك أهمية توظيفها وفق مكانها المناسب ووقتها الملزم. لكن الجهود كافة تصب وإن بنسب متفاوتة، كتحصيل حاصل، نحو هدف واحد أسمى وهو المصلحة العامة.

في عالم اليوم المتسارع تتغير المعلومة ويتطور الأداء، في عالم اليوم الذي حل الذكاء الصناعي محل العامل في قطاعات عديدة، هل نسمح لأنفسنا أن نكون روبوتات جاهزة لتنفيذ الأوامر والاقتصار على نقل معلومة معلبة تمامًا مثل الوجبات السريعة؟ هل نسمح لأنفسنا أن نُستغل وتُطبق علينا خوارزميات الذكاء الصناعي؟ هل نعطل عقولنا القادرة على الابتكار وفق ما يناسب هويتنا ومعطياتنا ونتبنى الحلول الجاهزة السهلة التي تقتل الإرادة وتعطل الإدراك؟

الحلول المجتمعية الناجعة تأخذ نفس المسار كما المجالات العلمية كافة، تخضع للتغيير وتسعى لدمج الأفكار وتنهج منهج التطور المستمر. المسائل المجتمعية وقودها الفرد بوعيه الذاتي تجاه التغيير الحاصل والمستجدات المتسارعة والانفتاح المدروس وفق الوعي الذاتي.

الوعي بالذات وإن تشابه تطبيقه كمصطلح إلا أنه يحمل التنوع الصحي المطلوب من حيث التعاطي مع المعلومة واستقبالها وفق اختلاف العقول المستقبلة لها ووفق ترجمتها لهذه المعلومة وآلية الإضافة إليها أو تطويرها بما يوافق الصالح العام.
نستطيع نظريًّا الإشارة إلى العوامل التي أوصلتنا لمثل هكذا أوضاع جامدة، أسباب منها تاريخية ومجتمعية يمكن دراستها وتحليلها. كذلك يمكن نظريًّا تشخيص حالة اللامبالاة ووضع حلول لمعالجة طويلة الأمد يتبناها الخيرون من أبناء الوطن ضمن رؤية جامعة. على أن تشخيص المرض ووصف علاجه لا يعني الشفاء إن لم تتبعه خطوات عملية سليمة ناجعة ومستمرة.

قضيتنا قضية وعي غائب، مشكلتنا أن تفرق ساساتنا نتج عنه تبني حلول معلبة توافق هوى صناعها. حلول معلبة ليست على قياس مجتمعنا ومعطياتنا. حلول تصب لصالح صناعها وقد وجدت روبوتات تتبناها وجمهورًا ينتظر الحل الذي لن يأتي أبدًا ما دام الوعي الذاتي غائبًا عن السياسي وعموم الجمهور.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»